_
تعلّم (الأذى)... من تجربة كهرباء مصر
ليلى نصر ليلى نصر

تعلّم (الأذى)... من تجربة كهرباء مصر

سيقصد وفد حكومي من وزارة الكهرباء جمهورية مصر، للاطلاع على التجربة المصرية في تغيير البنية المؤسساتية للقطاع، بما يسمح باستثمار القطاع الخاص، وما يتطلبه من تعديل قانون الكهرباء وهيكلية الوزارة. فما الذي يحدث في قطاع الكهرباء المصري، ويستحق العناء الحكومي للسفر والتعلم؟

تجري مصر منذ عام 1988 تغييرات على بنية الكهرباء المؤسساتية، وقد حولت مصر هيئتها العامة لكهرباء مصر إلى شركة قابضة منذ عام 2000، ضمن شركات الإنتاج والتوزيع والنقل الحكومية، التي تحولت بدورها إلى شركات مساهمة. الهدف من هذه التحويلات هو تحويل شركات الدولة، إلى واحدة من الشركات في سوق الطاقة، وليس المستثمر الوحيد. وتغيير بنيتها بحيث تستطيع أن تطرح أسهمها في السوق للتداول، أي: أن تبيع أو تستثمر جزءاً من ملكيتها.

مصر تنفذ شروط الصندوق
إن كل ما يجري في قطاع الطاقة المصرية، بل في السياسة الاقتصادية المصرية، يرتبط بقرض صندوق النقد الدولي 12 مليار دولار، الذي على مصر أن تنفذ شروطاً قاسية للمرة الثانية بتاريخها من أجله!
أهم شروط البنك الدولي المعلنة في عام 2016: تحرير سعر الصرف، وهو ما تم عبر تعويم الجنيه المصري، وتحرير أسعار الوقود وهيكلة قطاع الطاقة الأمر الذي يتم تدريجياً، والذي يعني إلغاء الدعم، وإتاحة الاستثمار الخاص في الإنتاج والتوزيع والنقل.
وفق التصريحات الرسمية المصرية، كان مقرّاً أن تحرر مصر أسعار الكهرباء وترفع الدعم عنها كاملاً في نهاية عام 2019، ولكن تم تمديد هذه المهمة، وتدريجها على ثلاث سنوات قادمة.
رفعت مصر أسعار الكهرباء في شهر آب الحالي بمقدار الربع وسطياً 26%، وكانت قد رفعتها سابقاً لثلاث مرات منذ حزيران 2014: (ارتفعت في المرات السابقة بنسبة 33%-25%- 40%). والرفع سيستكمل حتى يتم إلغاء الدعم على سعر الكهرباء بشكل كامل، وكذلك على مجمل أسعار الوقود، والغاز الطبيعي، ومياه الشرب، وأسعار مواصلات النقل العامة، التي ارتفعت أسعارها مع الكهرباء مؤخراً.

تمويل الكهرباء بالديون
وصل فائض مصر الكهربائي في نهاية عام 2017 إلى 22 ألف ميجا وات، ونسبة 45% من إنتاج المحطات. بينما الفائض الاحتياطي المتعارف عليه يقارب 15%. وفي العام الحالي دخلت ثلاث محطات جديدة بطاقة 14400 ميجا وات، لتضاف إلى الفائض، وفق العقد مع شركة سيمنس الألمانية. المصريون يتساءلون عن الجدوى من هذه الزيادة الكبيرة في الاستثمار في الطاقة الكهربائية، عبر الديون، وتحديداً إذا ما كان توزيع الفائض عبر شبكات نقل دولية يتطلب استثمارات أخرى، للربط مع السودان وقبرص، ومع السعودية، ستلتزم بها الحكومة المصرية.
لقد وصلت الديون الاستثمارية للشركة القابضة لكهرباء مصر إلى 280 مليار جنيه في 2017، بارتفاع بمقدار 165 مليار جنيه خلال عام واحد، وارتفعت أقساط تمويل وفوائد هذه الديون بنسبة 60% خلال عام، لتبلغ 27 مليار جنيه. وحققت الشركة خسائر للعام الثاني على التوالي بمقدار 2,5 مليار جنيه، بعد أن تراجعت كميات الطاقة الكهربائية المباعة بنسبة 3% بعد رفع الأسعار (تقرير الشركة القابضة لكهرباء مصر 2017).

عقد شركة سيمنس نموذجٌ
بعد الاتفاق على قروض صندوق النقد الدولي، حصلت شركة سيمنس الألمانية على عقد بتمويل إنشاء محطات إنتاج ثلاث تم افتتاحها مؤخراً، وبقيمة استثمار تصل إلى 8 مليار يورو، هذه المحطات الإنتاجية ستعود نسبة 51% منها للشركة القابضة لكهرباء مصر، بينما سيطرح الباقي للاستثمار. كما أن عقد التشغيل والصيانة يعود لسيمنز مع شريكها شركة السويدي إليكرتك المصرية العائدة للملياردير المصري ساويرس. بنوك ألمانية ومؤسسات دولية ستمول سيمنز، وبنوك عربية ستمول شركة السويدي بالجنيه. أما من سيسدد هذه القروض؟ فالشركة القابضة لكهرباء مصر هي الملتزمة بالسداد للبنوك الممولة، رغم أنها لن تشغلها، بل ستقوم سيمنز وحلفاؤها المحليون بتشغيل المحطات!
الحكومة المصرية فاوضت سيمنز، والحكومة وشركاتها الكهربائية ستعيد للمستثمرين قيمة القروض، أي: أنهم محميون من الربح والخسارة في حال تراجع الاستهلاك، أو عدم القدرة على استهلاك هذا الفائض الإضافي، بينما المخاطر والأعباء تتحملها الحكومة المصرية... التي لن تحتاج لهذا الإنتاج قبل 5 سنوات من الآن.

أهم ما يمكن تعلمه من تجربة مصر
إن أهم ما يمكن تعلمه من التجربة المصرية في قطاع الطاقة، أن الخصخصة وإعادة الهيكلة، وإدخال القطاع الخاص للتنافس في إنتاج وتوزيع ونقل هذا المرفق السيادي، يعني حكماً: تحرير أسعار الكهرباء ورفعها، ويعني: ارتفاعاً في الديون الاستثمارية، دون حسابات جدوى عامة، ويحمل تأثيرات سريعة على قدرات الاستهلاك في الطاقة الكهربائية، التي تعكس أثرها السلبي على الإنتاج الاقتصادي.
أما الذرائع الحكومية المعلنة في مصر وفي سورية لتخفيف الخسائر والدعم، تدحضها الخسائر المالية المباشرة المثبتة في مصر، من الزيادات الكبرى في الديون المترتبة على القطاع الحكومي الكهربائي، إلى تمويل استثمارات يشغلها القطاع الخاص ويربح منها بلا مخاطر. والأهم: أن قياس تكاليفها مقابل الجدوى الاقتصادية الكلية منها، يشير إلى أنها قائمة على مصالح المستثمرين الخاصين، فهي تحمل المال العام الديون، ولا تقوم على أساس حاجات قطاع الطاقة المصري، الذي تهمل أبعاد ارتباطه بالقطاعات الأخرى كافة.
إن التعديلات المؤسساتية التي أجرتها مصر عبر تحويل هيئاتها العامة لشركات قابضة في الكهرباء وغيرها، هي جزء من متطلبات الخصخصة، وجزء من شروط صندوق النقد الدولي لإعادة هيكلة قطاع الطاقة. وإن الاسترشاد السوري بالتجربة المصرية، والإعلان السوري عن النية بتحويل العديد من الشركات والمؤسسات العامة إلى شركات قابضة، هو جزء من التحضير لمرحلة قادمة يتخيل (مستثمرو) قطاع الدولة السوري، أنها ستؤمن لهم أرباح صفقات إعادة هيكلة كبرى في القطاعات الأساسية. آخر ما ستحتاج إليه سورية في المرحلة القادمة، هو: الاستثمار الخاص في المرافق السيادية، وأكثر ما ستحتاج إليه، هو: إدارة وطنية لقطاع الطاقة... وهو ما لا يمكن أبداً تعلمه من التجربة المصرية، التي تطبق خطط صندوق النقد الدولي، بصدمات اقتصادية- اجتماعية كبرى للشعب والاقتصاد المصري، ستكون نتائجها وخيمة على الأمن الوطني.

آخر تعديل على الأحد, 19 آب/أغسطس 2018 12:27