_
الرأسمالية تُجمِّل العدم
محمد المعوش محمد المعوش

الرأسمالية تُجمِّل العدم

 يروى أنه في أثينا في القرن الرابع قبل الميلاد، كان هناك فيلسوفٌ يعيش في برميل، قضى فيه نصف حياته (مات في العقد التاسع من عمره)، لم يكن يملك سوى عصاه ومعطفٍ أسود، وكيسٍ لخبزه. كان هذا الفيلسوف المعروف بـ “ديوجين” (ولد في مدينة “سينوب” التركية في العام 413 قبل الميلاد).

 كان “ديوجين” من أشهر فلاسفة المدرسة المعروفة بـ “الكلبيّة” (مؤسسها تلميذ لسقراط هو: انتيستانس حوالي 400 ق.م)، جوهرها أنه: السعادة لا ترتبط بالأشياء الخارجية (مثل الرفاه المادي، السلطة السياسية)، ولا تأتي منها، والوصول إلى السعادة يتطلب التخلص من الرغبات والاستقلال عن الظروف الخارجية دائمة التقلب والتغير، والتصرف بـ “طبيعية” دون مبالاة (من هنا رُبِطَت بالكلاب لاشتراكها بهذه الصفة_ اللامبالاة). فقط عندها “لن تزول السعادة” حسب رأيهم، والأهم هو تقبل الألم لا تجنبه.
عكس فلسفة أخرى أسسها “اريستيبوس”_ تلميذ آخر لسقراط_ التي دعت إلى “المتعة”(لا التحرر منها) وتجنب أشكال الألم كلها. هم بذلك دفعوا فكرة سقراط إلى نهايتها المنطقية في قوله عندما وقف أمام أحد المتاجر: “كم من الأشياء التي لا أحتاجها!” كدلالة على الاكتفاء الذاتي.
في حادثة مشهورة عند زيارة الاسكندر الكبير(المقدوني) لبرميل “ديوجين” الذي كان يقف أمامه “يستمتع بأشعة الشمس”، فسأله الاسكندر إذا كان بحاجة لشيء (الذي كان سمع عنه بسبب خلافاته الفكرية مع أفلاطون وقتها)، فكان رد “ديوجين”: “أجل، أن تزيح جانباً، قليلاً، كي لا تحجب عني أشعة الشمس”.
ردّ فلسفي على أزمة اجتماعية
كانت “الكلبية” وغيرها_ كـ “الرواقية”(نسبة إلى اجتماع تلامذتها في رواق مع أستاذهم “زينون”، المولود في قبرص) التي تأسست متأثرة بالكلبية_ رداً فلسفياً على التفسخ والانحلال في المجتمع الأثيني وقتها، وانعكاساً لمجتمع متناقض يتساءل عن نفسه. مع أن هذه الفلسفات حملت جوانب مادية كمفهوم الضرورة (عند “الرواقية”)، ووحدة المادي والروحي، عكس “ثنائية” أفلاطون مادة_ روح.
الكلبيّة عادت وشهدت تطور لاحقاً، فمثلاً في القرن التاسع عشر، أصبحت تشير إلى الإحباط والسلبية، والتوجس وعدم الثقة بالسلطة والمجتمع عامة، نحو الشك والعدمية.

“الكلبيّة” في “هارفرد”
في دراسة طوليّة اعتبرت “ربما الأطول في التاريخ” ظهرت في العام 2015 عن جامعة “هارفرد”، حول النمو والتطور عند الكبار، تحدَّث آخر مدير للدراسة “روبرت وولدينغر” في فيديو* على منصة “TED-TALKS” تحت عنوان “ما الذي يصنع حياة جيدة؟ دروس من أطول دراسة حول السعادة”. تتبعت الدراسة حياة عينة من 720 شخصاً على مدى 75 عاماً (منذ 1938) خلال حياتهم منذ المراهقة وصولاً إلى سنوات متأخرة من حياتهم.
حيث انقسمت العينة بين مجموعتين، الأولى: طلاب في هارفرد (أي: من موقع طبقي مرتفع نسبياً)، والثانية: من أحياء مدينة “بوسطن” الفقيرة (في الثلاثينات). تتبعوا صحتهم النفسية والعقلية وعملهم وعائلاتهم ونمط حياتهم. ومنهم من صار عاملاً أو محامياً أو طبيباً أو مدمناً كحولياً أو مريضاً عقلياً أو رجل أعمال ثريٍّ، ومنهم من أصبح رئيساً للولايات المتحدة فيما بعد (لم يُذكَر من هو)!
يقدم “وولدينغر” نتيجة استبيان خيارات هؤلاء الشباب نحو السعادة (عند بداية الدراسة) التي انقسمت بين “المال”، و”الشهرة” و”السلطة”. ومن ثم ينتقل الى تقديم خلاصات “الدراسة الأطول حول السعادة”، التي بقي من العينة الأساسية 60 شخصاً على قيد الحياة (بتاريخ تقديم الفيديو).
في الدروس والخلاصات، يقول “وولدينغر”: الرسالة الأوضح، لا المال/الثروة ولا الشهرة ولا السلطة، هي ما تجلب السعادة والصحة، إنها العلاقات الجيدة (العائلة، الأصدقاء، المجتمع)، التي تطيل الحياة وتعزز الصحة، بينما الشعور بالوحدة اعتبر “مسمّماً” ومضراً بالدماغ (يقرّ 5 من أصل 7 أميركيين أنهم وحيدون). والدرس الثاني هو: ليس عدد الارتباطات هو المهم، بل نوعيتها وأساسها؛ فـ”من كان من العينة أكثر رضى هو من عاش أطول، وعبّر عن صحة جسدية ونفسية وعقلية أكثر من أصحاب العلاقات المضطربة غير السليمة”.

الليبرالية تتقهقر، ولكن!
ما عبرت عنه الدراسة بشكل ضمني، في استعادة لروح الفلسفة “الكلبيّة”، هو عدم صوابية خيارات “الليبرالية” (متعة فردية، مال، شهرة، سلطة...)، وأن الحياة السليمة تتطلب ارتباطاً “حقيقياً” بالمحيط مبنياً على أسس “سليمة وصحية” و “غير مضطربة”.
لكن، وإن عبَّرت الدراسة عن فساد “الحلم الأميركي”، وهذا شيء لم يعد يمكن نكرانه بقوة الحقائق الملموسة، ولكنها لم تقدم بديلاً عن هذه الخيارات الفاسدة، وإن أشارت إلى قضية العلاقات، ولكنها لم تحدد أرضيتها التي تقوم بها وعليها. هكذا إذن هي “هارفرد” في عصر الأزمة، تتعلّم من “ديوجين” وصَحْبِه أسس السعادة، برجعية ألفي عام تقريباً عن التطور الاجتماعي_ العلمي، ودون الجوانب المادية لـ “الكلبية” و”الرواقية”!

الحل من داخل المنظومة ليس موجوداً
التفاف الرأسمالية وفكرها على الأزمة الوجودية العميقة للإنسان ضمن الرأسمالية، وعبر خيارات من ضمن النظام ذاته، للحفاظ عليه، تصل إلى غايتها المنطقية بالدعوة “للزّهد”، وإهمال الواقع، مع تقبل “سلبي” لأزمته، ولكن الاحتماء منها بعلاقات “جيدة ومتينة”. وهكذا عبرت الدراسة بلغة ضمنية: “الواقع مأزوم، وخياراتنا مأزومة، والحل من ضمن الأزمة هو: العلاقات الاجتماعية الجيدة”! ولكن هذه العلاقات ليست خارج المنظومة الرأسمالية، بل تتلقى انعكاس أزمتها، تتفكك بتفككها، وتحرم من أرضية اقتصادية ضرورية لقيامها في قضايا جامعة تتمحور حولها العلاقات والبشر أنفسهم، أي: مصيرهم ككل.
“السعادة” تكمن في استبدال أسباب “التعاسة والحزن”، أي: استبدال الرأسمالية، بنظام عادل يحقق الرغبات الإنسانية ولا يلغيها. فالدعوة إلى العيش في زهد وتألُّم في برميل ليس مقبولاً.