_
فيكتوريو القرن الواحد والعشرين
عكست هذه القواعد المعيارية التبدّل في البنية الطبقية وفي الرغبة المتنامية لدى البرجوازيين في تأكيد سموّهم الأخلاقي على النبلاء
جيسون تيبه جيسون تيبه

فيكتوريو القرن الواحد والعشرين

تستحضر كلمة "فيكتوري" لدينا أفكار عفا عليها الزمن: نساء مقيدات بمشدّات المعدة «الكورسيه»، وبقواعد صارمة خاصة بجنس الشخص، والإفراط في الاحتشام بكل شيء جنسي. في عالمنا حيث «الاستهلاك التظاهري » والتعبير عن النفس هما الحاكمان، فإنّ مفاهيم القرن التاسع عشر عن التحفّظ وإنكار الذات تبدو قديمة الطراز بشكل كبير.

تعريب: عروة درويش

لكنّ روح العهد الفيكتوري لم تمت بعد، هذا ما يبدو لنا عند النظر إليها من مسافة بعيدة.

إنّها حيّة، وتظهر نفسها في تصرفات الطبقة الوسطى العليا. فبينما فنيت بعض جوانبها مع فناء موضة الصِدارة الرجالية، فيُعتقد بأنّ الأخلاق البرجوازية لا تزال تحجز مكانها في شعورهم بأنّهم أسمى من غيرهم.

حلّت في العصر الحالي صفوف الرقص والطعام اليدوي وإجراءات طلبات الجامعة محلّ نزهات يوم الأحد ومواعظ المساء والصالونات الأسبوعية. لكن لا تجعلوا الأمر يخدعكم، فهي تؤدي ذات الغرض: تحويل الامتياز الطبقي إلى فضيلة فردية، وبذلك وبشكل مختصر إلى السطوة الاجتماعية.

القيم الفيكتورية:

استخدم المؤرّخ بيتر غاي مصطلح «فيكتوري» ليصف بشكل واسع ثقافة الطبقة الوسطى العليا المتعلمة في غرب أوروبا وفي الولايات المتحدة خلال القرن التاسع عشر. لقد كانت لديهم بكل تأكيد معتقداتٌ متعلقة بالممارسة الجنسيّة وبجنس الشخص وبالعائلة، أكثر تعقيداً ممّا نصورها.

ربّما فرض الفيكتوريون قواعد أخلاقية صارمة، لكنّهم تكلموا عن الجنس طوال الوقت، وبشكل شبه استحواذي. فكما أشار غاي: كان الأزواج الموسرين يكتبون لبعضهم رسائل ذات حرارة أعلى من حرارة المحرّك البخاري.

وبرغم الأفكار النمطية الخاصّة بالآباء المتسلطين المتصلبين، فإنّ تلك المرحلة كانت مزدهرة بالأبوّة على نمط المفاهيم المعاصرة. فالرجل الحقيقي لم يكن مجرّد مزوّد مادي لعائلته، بل كان يهتمّ بشكل فاعل في حياة أبناءه العاطفية.

وعلى الرغم من أنّ الطبقة الوسطى العليا في القرن التاسع عشر لم تكن بالتصلّب والعفّة التي نتصورها، فقد كانت ملتزمة بقواعد سلوك صارمة. عكست هذه القواعد المعيارية التبدّل في البنية الطبقية وفي الرغبة المتنامية لدى البرجوازيين في تأكيد سموّهم الأخلاقي على النبلاء، مستخدمين الفضيلة لتحدي المكانة القديمة للأرستقراطية، كمركز الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية. ففي أثناء انشغال أبناء الطبقة العليا بالصيد والولائم، كان أبناء الصيارفة والمحامين يعملون ويبنون العائلات ويهتمون بتحصيلهم العلمي.

في ألمانيا، تعني الكلمة المفتاحية غير القابلة للترجمة تقريباً: (بيلدونغ Bildung)، التعليم بهدف تهذيب النفس وتحسينها. جمعت تلك الفكرة، والتي يعبّر عنها بلغات متعددة في الأمم المختلفة «ربّما أنسب مقابل لها في العربية التشرّف والاستشراف، بمعنى التطلّع والنظر إلى العلياء والسمو – المترجم»، المنتمين إلى الطبقة الناشئة مع بعضهم البعض داخل الحدود الوطنية. ميزهم التطوير الذاتي عن الـ 1% الفاسدين.

على سبيل المثال: أصبح الاستماع للموسيقى تجربة تهذيبية بدلاً من كونه أمراً للمتعة. كانت الموسيقى الكلاسيكية في القرن الثامن عشر تشكّل خلفية جميلة في حفلات الأرستقراطيين الساهرة. كان النبلاء في قاعات الحفلات يجلسون في حُجراتهم غير مهتمين كثيراً بالأداء، لكن عندما قصد الرأسماليون الناشئون الحفلات، فإنّهم لم يبدؤوا بالثرثرة في أزيائهم البهيجة: لقد كانوا يجلسون بثبات ويبقون صامتين، وكلّ ذلك بهدف التركيز على الموسيقى.

ابتكر الفيكتوريون الألمان مصطلح: (سيتزفلايش Sitzfleisch : اللحم الثابت) لوصف السيطرة العضلية المطلوبة للجلوس بثبات خلال الحفلات. يجب أن يتمّ كبت حتّى السعال والعطس، وذلك خشية أن يشتتا انتباه أحدهم ويتعرقل تحسين الذات.

صاغ السعي نحو (بيلدونغ) الحياة اليومية. تعلمت النساء الشابّات الموسرات، اللواتي لم يكن لهن أن يأملن بشغل أيّة مهنة باستثناء كونهن زوجات وأمهات، لغة واحدة أجنبيّة على الأقل، وتلقين دروساً في الغناء والبيانو. قضى الرجال أمسياتهم غالباً وهم يحضرون المحاضرات أو يشتركون في منظمات مدنية.

وكي يثمر هذا التفاني، كان على هؤلاء الفيكتوريين الموسرين أن يعرضوه، وذلك كي يُظهروا تميزهم عن الأكثر ثراء، وكذلك عن الأفقر منهم.

لقد أنفقوا قسماً كبيراً من مداخيلهم على ديكور المنازل بهدف إظهار البحبوحة والذوق الرفيع والاحتشام، بشكل متوازي معاً. لقد علموا بأنّهم حالما يخصصون صالون – وهي الغرفة من المنزل المخصصة بشكل كلي لتسلية الضيوف – فإنّ المقيمين لن يكونوا وحيدين. كان على العائلة في أيام الأحد أن تجتمع بأكملها للتنزّه في الحديقة.

في الواقع، زادت العوائل الموسرة عبر أوروبا وأمريكا من بناء حدائق عامّة أكثر فأكثر. لكن، وبشكل متناسب مع قيمهم، لم تخصص هذه المساحات لتكون أمكنة يتمتّع فيها الجميع، بل أماكن يستعرضون فيها أفضل ما لديهم أيّام الأحد.

حديقة "سنترال بارك" في نيويورك على سبيل المثال: منعت العامّة من المشي على العشب أو ممارسة الرياضة. كان على الأطفال أن يحصلوا على «شهادة حسن سلوك» من مدارسهم قبل السماح لهم بالدخول إلى ساحة الألعاب. كان بيع البيرة ممنوعاً أيام الأحد.

لم تكن الحديقة مخصصة لتمارس الطبقة العاملة فيها هواياتها، بل كانت مخصصة للانضباط. هناك، تعلّم العمّال كيف يستمتعون بالحديقة بالشكل الملائم: أي القيام بالتنزّه. أدّت حديقة فردريك لو-أولمستيد عند افتتاحها دورها بشكل ممتاز كقبلة لممارسة العادات الفيكتورية في الطبيعة، وكمكانٍ لتحسين الذات.

فضيلة الرشاقة:

صـحيح أنّنا لم نعد نرى رجالاً يرتدون قبعات طويلة أو نساءً بفساتين تحتية، ينزهون أطفالهم أيام الأحد، لكنّ الحديقة لا تزال مكاناً لإظهار الفضيلة والانضباط: تجسّد ثقافة الرشاقة المعاصرة بشكل ممتاز روح القرن التاسع عشر بخصوص تحسين الذات والانضباط.

كان الفيكتوريون يأنفون من النشاط الجسدي الذي كان خاصاً بالطبقة العاملة، وكانوا ينظرون إلى حمل الأوزان الزائدة كمعيارٍ لتحديد الطبقة والاحترام الخاص بها. تسربت الرشاقة والرياضة إلى حياة الطبقة الوسطى في القرن العشرين، وهي اليوم تؤدي ذات المهمة التي كانت تؤديها نزهات يوم الأحد.

لقد صدمني هذا الأمر منذ تسعة أعوام. كنت أعيش حينها في منطقة غراند رابيدز في ميشيغان، وكنت أستمتع بركوب الدراجة كوسيلة للتعرّف على الأماكن غير المألوفة. قررت في أحد الأيام أن أذهب إلى القسم الشرقي من المدينة حيث ضاحية الأثرياء، لأنّ فيها مساراً للدراجات حول بحيرة ريدز.

ما أن وصلت حتّى اكتشفت بأنني الشخصُ الوحيد الذي لا يرتدي ثياباً رياضية. لكن هذا لا يعني بأنّهم جميعاً كانوا يمارسون الرياضة! لقد كانوا يتنزهون، تماماً مثلما كان يفعل أسلافهم، لكنّهم كانوا يرتدون ألبسة رياضية. كان جميع الدراجين الآخرين يرتدون ملابس ليغرا ضيقة خاصّة بالدراجين، كما لو أنّهم في خط البداية من أجل بطولة «طواف فرنسا».

كانت هذه الملابس ترسل رسالة: «إياكم أن تخطئوا، فنحن لا نمشي أو نقود الدراجات من أجل التنقل. هذه رياضة». بات المشي في الحديقة روتيناً رياضياً للسكان الموسرين في شرقي غراند رابيدز، ويُظهر لباس «الرياضة-النزهة» هذا بأنّ هذا النشاط هو أحد أفعال تحسين الذات.

تبدي جميع موضات الرياضات الحالية، مثل اليوغا والدوران اللولبي وبرنامج (كروس-فيت CrossFit)، التزاماً بإنكار الذات وتطويعها، وهي القيم التي كانت مقدّرة كثيراً من قبل الفيكتوريين. أصبح جري الماراثون هو المميّز الأكبر: يستطيع المتنافسون نشر صورهم على وسائل التواصل الاجتماعي بهدف إثبات قيامهم بتعذيب أجسادهم بشكل فاضل جدّاً، وليس بطريقة مستهجنة.

وينطبق هذا على التصرفات اليومية أيضاً. تكتظّ متاجر البقالة بالأشخاص الذين يرتدون ألبسة رياضية دون حتّى نقطة عرق عليهم. تميّز هذه الألبسة تميّز بأنّهم نوع الأشخاص الذين يهتمون بأجسادهم، حتّى عندما لا يقومون بالتمارين الرياضيّة. تستعرض سراويل اليوغا وأحذية الجري الفضيلة تماماً كما كان مشدّ بطن الزوجات يفعل في القرن التاسع عشر.

أن تكون رشيقاً الآن هو أمرٌ يدلّ على الطبقة، مجسداً ثقافة الطعام والرشاقة. فبعد أن أصبحت الحريرات أزهد ثمناً، تحولت السمنة من كونها دلالة على الثراء إلى دلالة على الانحطاط الأخلاقي. بات اليوم عدم كون المرء صحيح الجسد هو الدمغة التي تدلّ على جشع الفقراء، بذات الطريقة التي كان يُنظر بها إلى العادات الجنسيّة في القرن التاسع عشر.

يؤكد نمطا التفكير هذين بأنّ الطبقات الدنيا غير قادرة على التحكّم في نفسها، لذلك هم يستحقون تماماً ما يملكون ولا شيء أكثر. ليس هناك بالتالي من حاجة لأجور أعلى أو لتدعيم العناية الصحيّة. فالفقراء سوف يضيعونها على السجائر وشطائر البرغر.

عكست الفروقات المزعومة في الصحّة، سواء في ذلك الزمن أو الآن، الاشمئزاز من أجساد الطبقة العاملة. ناقش جورج أورويل في كتاب: «الطريق إلى رصيف ويغان» التنشئة الفيكتورية المتأخرة، فقد كتب بأنّه تربّى على الاعتقاد: «بأنّ هناك شيئاً كريهاً ماكراً متعلقاً بأجساد الذين ينتمون إلى الطبقة العاملة». في زمن أورويل: الصابون، وليس الرشاقة، هي من صنعت الفارق. فقد تمّ تعليمه كما قال بنفسه: «للطبقات المتدنية رائحة بشعة».

يظُهر الإنترنت الرعب من الطبقات المتدنية في هذه الأيام على مواقع إلكترونية مثل (بيبول أوف ول مارت People of wal-mart). فبدلاً من الانزعاج من «الذين لا يغتسلون»، فإنّ الفيكتوريين العصريين ينزعجون من «الذين يأكلون كثيراً».

وبينما لم يرى برجوازيو القرن التاسع عشر في القوام الممتلئ أمراً مخجلاً يجب استئصاله، بل كان دلالة مريحة على الرخاء، فإنّ نسلهم الروحيين مولعين بتناول الأنواع المناسبة من الطعام. لقد تحوّل الطعام العضوي في الخمسة عشر عاماً الماضية من ظاهرة مترفة إلى ضرورة مطلقة.

مثال: حركة الطعام الخالي من الغلوتين «الغلوتين: مجموعة بروتينات دبقة في الدقيق وتسمّى أيضاً بالدابوق – المترجم»: وهي الحركة التي تجمع الأشخاص الذين يستبعدون الغلوتين من حميتهم الغذائية، ولا أقصد هنا المصابين بأمراض الاضطرابات الهضمية والذين عليهم تجنّب القمح بالكامل. كنت أمزح منذ عدّة أعوام بأنّ إيجاد سكّان يتبعون حمية خالية من الغلوتين في بلدتي في ريف نبراسكا هو أمرٌ مماثل لإيجاد أعمال «بيتر كروبتكين» في المكتبة المحلية. أمّا الآن، يوجد الطعام الخالي من الغلوتين تقريباً على رفّ كلّ سوبرماركت محلي.

هذا النوع من الانضباط الغذائي هو أحد صيغ إنكار الذات الفاضل الذي يجعل من الفيكتوريين فخورين. آه لو أنّ أجدادي عاشوا وقتاً كافياً ليدركوا بأنّ زراعة الخيار والبطاطا الخاصة بهم يجعلهم من الطبقة العليا، وليس مجرد ريفيين خرقاء.

حروب الأمهات، وطلبات الجامعة:

تؤثّر ديناميكية مشابهة في حياة العائلة المعاصرة. فمثل أسلافهم، تركّز الطبقة الوسطى العليا بشكل كبير على العائلة. فقد شهدت الفترة الحاليّة، رغم زوال سلطويّة القرن التاسع عشر، النظر إلى مرحلة الطفولة كمرحلة مميزة وخاصة في الحياة. وقد تصرّف الأهلُ على هذا الأساس، محولين المنزل إلى رياضٍ لأطفالهم.

باتت تربية الأطفال أمراً مرهقاً أكثر فأكثر مع مضيّ الأعوام، وهي تفرض على الأهل ممارسة الانضباط والإنكار للذات بشكل كبير. يوجد كتابٌ حديث: «كلّ الفرح بلا مرح»، له وقع الموسيقى على آذان الفيكتوريين. فما هو الشيء التافه والذي لا يحمل قيمة تعليمية أكثر من المرح؟ وهذا ما لا وقت له وسط المطلوب من الأهل العصريين.

على الأمهات أن يُرضعن أطفالهن لفترة أطول، وأن يزودن الأطفال بطعام عضوي فقط، وأن يقللن وقت مشاهدة التلفاز إلى صفر. الإخفاق يعني الفشل. ربّما يمثل هذا أوضح صلة بين القيم الفيكتورية القديمة والحديثة: سواء من حيث تقييد المرأة، أو لتعزيز التمييز الهرمي بين الجنسين.

ليس من قبيل المصادفة أنّ هذه التوقعات الجديدة تتطلّب المال والوقت. فالوالدة العاملة، التي سيكون عليها أداء وظائف في القطّاع الخدمي، ستجد أمر الإرضاع أكثر صعوبة أثناء العمل من المرأة التي تقوم بعمل مكتبي. (ناهيك عن ذكر التفاوت في إجازات الأمومة بين العاملين من ذوي الياقات الزرق ومن ذوي الياقات البيض).

تسمح الواجبات الأخلاقية المتعلقة اليوم بالإرضاع الطبيعي بالحكم على النساء من الطبقة العاملة – اللواتي يرضعن طبيعياً بشكل أقل – بالفشل الأخلاقي. ولكن وبكل تأكيد، فإنّ المعارك العامّة لأجل الإرضاع الطبيعي نادراً ما تمتدّ إلى المطالبة بتوفير أماكن أفضل للإرضاع من أجل نساء الطبقة العاملة.

تستمرّ التوقعات الأبوية الشديدة بعد تخطي الأولاد لمرحلة الطفولة. يتم تشجيع الأولاد الصغار على الانخراط في أندية رياضيّة مكلفة، وعلى الأهل أن يتخلوا عن وقت فراغهم لأجل دعمهم. تحتاج هذه النشاطات إلى الوقت والمال، وهما المصدرين اللذين تفتقدهما الطبقة العاملة.

يمثّل هذا الانتشار للنشاطات المنظمة شكلاً من أشكال التحسين: تعدّ أوقات فراغ الطفل مليئة الآن بالكامل من قبل (البيلدونغ). ويتمّ تصوير القدرة لتزويد الأطفال بهذه الفرص على أنّه انعكاس لأخلاق العائلة، وليس على أنّه انعكاسٌ لأحوالهم الاقتصادية. فتماماً مثلما كان على المرأة الفيكتورية أن تتعلّم عزف البيانو والتحدّث بالإيطالية، من أجل استعراض المهارات غير المتاحة لطبقات المجتمع الأخرى، فإنّ على الأولاد العصريين تعلّم لعب كرة القدم والتحدّث بلغة الماندرين وأن يتطوعوا لأداء الأعمال الخيرية المحليّة.

لكن وبكل تأكيد، يكمن تاج السعي المعاصر إلى (البيلدونغ) في إجراءات التقدّم إلى الجامعة. ليس هناك في القرن التاسع عشر نظيرٌ لهذه الطقوس الجديدة السخيفة، كان بإمكان ديكنز السخرية من هذا الغباء الموروث بشكل مثالي: «يتصرف الملايين كما لو أنّ النظام يقوم بالتفضيل على أساس الجدارة، وبأنّ قيمة الشخص يمكن أن تتحدد من خلال نفوذ وهيبة المدرسة التي قُبل بها».

يتقدم معظم الأميركيين الذين يذهبون إلى الجامعة إلى عددٍ قليلٍ من الكليات. لكن يتبع أولاد الطبقة العليا دورات من أجل التحضير الأمثل للقبول الجامعي، أو يصبحون متدربين، أو يسافرون في الصيف من أجل تجميع مواد ملائمة لخطابات قبولهم الجامعي، وغالباً ما يتقدمون لعدد كبير من الكليات. وكلّ ذلك لأجل الحصول على أكبر عددٍ من الفرص لتخويلهم الدخول إلى إحدى الجامعات ذات الأسماء الجيدة. يستطيع الأهل – دونما اعتبار لقدرات أولادهم الفكرية الحقيقية – النوم بارتياح وهم عالمين بأنّ أولادهم أفضل من العوام الذين يقصدون جامعات حكومية.

"بيلدونغ" للجميع:

تحافظ الطبقة المتوسطة العليا اليوم على وهم مجتمع الجدارة، تماماً كما كان يفعل الفيكتوريون. تعطيهم هذه القصّة الفرصة لتدعيم وضعهم الاقتصادي على ظهور العمّال، والذين تربوا على أنّ مشاكلهم الصحيّة وآفاقهم المهنية السيئة تمثّل فشلهم الفردي، وليست خللاً في النظام.

ليست التمارين وأكل الطعام العضوي وحضّ الأطفال على استغلال أوقات فراغهم بشكل مفيد أموراً سيئة بطبيعتها بكل تأكيد، لكنّها تصبح علامة على القيم البرجوازية عندما يتمّ تنظيمها لتأكيد تفوّق أخلاق طبقة ما على أخرى ولتبرير اللا مساواة الاجتماعية. لقد كانت بغيضة في القرن التاسع عشر كما هي اليوم تماماً.

يجب علينا الاهتمام بالصحّة، وبالغذاء، وبالتعليم. لكن علينا بدلاً من رؤيتها كسبلٍ لتعزيز الهيمنة الطبقية، أن نطورها لخدمة الجميع. تخيّل لو أعيد توجيه تلك الطاقات المستخدمة في إدخال أولاد الطبقة العليا متوسطي القدرات إلى الجامعات الراقية من أجل جعل التعليم العالي أكثر قبولاً وأكثر يسراً مالياً للجميع. تخيّل لو أنّ الحصول على طعام صحيّ للجميع قد سبق في الأولوية الوصول إلى حالة تسمح بشراء المنتجات «الفاضلة». تخيّلوا باختصار كيف سيكون شكل عالمنا لو أنّ القيم الاشتراكية هي التي سادت بدلاً من الفيكتورية.