_
زنود الست - حراق أصبعو...
عاصي اسماعيل عاصي اسماعيل

زنود الست - حراق أصبعو...

نعم إنها ثقافة، وهي من المكونات الهامة في البنية الثقافية لأي مجموعة بشرية ولكن الكثيرين لا يعيروها الاهتمام إهمالاً ولا مبالاة بقصد أو بدونه بل ويتم اعتبارها وكأنها انعكاس لحالة غريزية أحياناً تتعلق بحالتي الجوع والشبع ليس إلا.


علماً أن لكل مجتمع ما يميزه على مستوى الطعام والمأكولات، أو ما يمكن أن يطلق عليه اسم «المطبخ»، كتعبير مكثف عن الحالة الثقافية بما يخص الطعام والسلوكيات والعادات المرافقة لهما.

التنوع والغنى انعكاس للواقع
فهناك المطبخ السوري واللبناني والتركي والانكليزي، وهناك التفرعات المميزة بكل مطبخ، على سبيل المثال المطبخ الدمشقي والحلبي والديري وغيرها.
فالمطبخ عملياً هو جزء من ثقافة المجتمع، كما أنه انعكاس له بنفس الوقت، حاله بذلك كحال أي مكون من المكونات الثقافية، فالتنوع والغنى في المطبخ على مستوى تعدد المكونات وأصناف المأكولات، والسلوك المرافق بإعداد الطعام وتناوله، والخصوصية المتزامنة بالاهتمام بالمناسبات والأعياد والتقاليد، ما هي إلا انعكاس عن الغنى بالموارد المتاحة أو ندرتها، كما أنها تعكس المستوى المعيشي للمجتمع.

طابع جمالي وقيمي
كما هناك حالة جمالية مرتبطة بالمطبخ تعكس جملة من القيم المجتمعية، وهي لا يمكن اعتبارها إلا انعكاس للغنى النفسي والاجتماعي، وذلك كون الطعام وعاداته لها جذور عميقة بالتاريخ والجغرافيا، وبالنفس البشرية، وبالعلاقات الاجتماعية، وإلا كيف يمكن أن نفسر مفهوم إكرام الضيف عبر تقديم الطعام، أو كيف نفسر أهمية الاجتماع على الطعام كأسرة، وغيرها الكثير من العادات والتقاليد، التي تميز مجموعة بشرية عن أخرى.
وبالتالي يصح القول أن المطبخ يمكن اعتباره أحد أوجه التعبير عن الواقع الاقتصادي الاجتماعي، كونه تاريخي وتراكمي النشأة، وصورة للواقع وانعكاس له، كما يعكس جملة من القيم الجمالية والاجتماعية عبر العادات والتقاليد المرتبطة به.

ثقافة حياة
فالمطبخ السوري، على سبيل المثال، يطغى عليه مكون البرغل في الكثير من المناطق (المجدرة- برغل ببندورة- برغل بزيت- برغل وحمص- برغل بكوسا..)، وفي الكثير من المناطق السورية تعتبر البقوليات مادة غذائية أساسية (الفول المدمس- الفتة- الفلافل- المسبحة-..)، ومرد ذلك ليس لوفرة المادة الرئيسية المكونة لهذه الأطباق فقط، بل هو تعبير عن واقع فقر معيشي اقتصادي، ساد عبر ثقافة المطبخ عملياً، وتكرس عبرها تاريخياً.
كما أنه ليس بالغريب أن يجتمع المطبخ مع الطب الشعبي والأعشاب، فمكونات بعض الأطباق تمثل التزاوج بين الطبي والغذائي (دبس وخس- لبن وثوم- الكمون والبقوليات- الشحوم الحيوانية والرمان- ..).
وبعد كل ذلك لا يمكن أن نغفل عن التسميات الكاريكاتيرية المبتكرة لبعض الأطباق، والتي تزامنت مع ظرف تاريخي ربما، أو مع مناسبة معينة، (شيخ المحشي- الباشا وعساكرو- زنود الست- حراق أصبعو-...).

تحالف العولمة مع الإفقار الليبرالي
على ذلك يجب ألا يغفل عنا أن المطبخ كثقافة، خاضع للمتغيرات والتأثر والتأثير بالثقافات الأخرى، وشأنه كشأن أي من المكونات الثقافية معرضاً لشتى أنواع الغزو والتغيير القسري، بظل النموذج العولمي، المروج لثقافات الغرب ونمط معيشته.
والحال كذلك، وبالعمق من الموضوع، فقد تعرض المطبخ السوري للكثير من المتغيرات، وهي لم تكن ناجمة فقط من خلال تغول الثقافة الغربية المطرد، والدفع بها عنوة عبر الترويج لبعض المأكولات، مع ما يرافقها من عادات استهلاكية وغيرها، بل لعل السبب الرئيسي والأهم هو ما طرأ عليه من متغيرات عميقة بظل سياسة الإفقار المتبعة رسمياً لصالح الليبرالية كنموذج اقتصادي اجتماعي مُستغل ومُفقر، حيث لم يعد المطبخ السوري بذاك الغنى كما كان قبلاً، وذلك لخروج العديد من المكونات الرئيسية فيه من دائرة الاستهلاك الشعبي، وخاصة اللحوم والفواكه، كما لم يعد ينل ذلك الاهتمام تزامناً مع حضور الضيوف، أو بالأعياد والمناسبات، مع ما يعنيه ذلك من انعكاسات سلبية، ليس على المستوى المعيشي فقط، بل على مستوى العادات والتقاليد والقيم، ولعل ذلك هو الأخطر عملياً.
لذلك فقد لا يبدو غريباً أن ندعو لمواجهة تحالف النموذج العولمي مع سياسة الإفقار الليبرالي المتبعة رسمياً، من بوابة ثقافة المطبخ، بعمقها التاريخي، وبمكوناتها وبتعدد أصنافها، وبعاداتها وتقاليدها، والسلوكيات المجتمعية المرافقة لكل ذلك.