_
بس يا جنز

بس يا جنز

شيخموس، جنكيز، ميخائيل، خورشيد، سُليمان، سُلطانة، آدم، يوسف، موسى، عيسى، أحمد، عبدالرزاق، وعشرات  الأسماء السورية الأخرى التي تعمل في أحد أضخم معامل الجنز في بلاد الأناضول. هؤلاء العمال من شمال بلاد الشام، حيث كل شيء مرتفع، الروابي، والنهود، والجباه، على حد تعبير الشاعر صقر عليشي، في واحدة من أجمل قصائده.


تتأمل وجوههم، فتجد في عيونهم حزناً لا يكفي قرناً من البكاء لمحو آثاره، هذا الحزن يظهر جلياً في نظرات عيونهم التائهة الكليلة من تعب أيام العمل الطويلة، في هذا المدى المفتوح على شبابيك الوطن البعيد، وكأنه الحزن  الذي قال فيه الثائر الأرجنتيني الشهير أرنستو تشي جيفارا: (كنتُ أتصور أن الحزن يمكن أن يكون صديقاً، لكنني لم أكن أتصور أن يكون وطناً نسكنه، ونتكلم لغته، ونحمل جنسيته) تحول حزنهم إلى هوية. فجاء شاعر كوردستان (شيركو بيكه سه) ليقيس أحزانهم فقال: جاء التاريخ وقاس قامته بقامة أحزانكم، كانت أحزانكم أطول. أما من علاج لهذا الأسى الإنساني المقيم؟ أم صار الأسى عندهم جبلاً يتمشى معهم وينتقل؟
يحدث هذا كلَّ ثانية في شوارع مدن العالم، فتيات وفتيان بالجنز. جنز بأشكال وألوان متنوعة فيها القصير والطويل، الضيق والواسع، المقطع والمرقوع، الرثُّ والخَلق. ما هذا الجنز؟ يكتب حسيب كيالي في سياق قصته (جنز) الواردة ضمن مجوعته القصصية (الحضور في أكثر من مكان) الصادرة في دمشق عام 1979يقول: في الشمال السوري بين مدينة إدلب وبلدة معر تمصرين ضيعة تُسمى (الفوعة)، اشتُهرت من بين ما اشتُهرت به من المنتجات الزراعية المعروفة في المنطقة بصناعة يتوارثها الأبناء عن الآباء عن أجداد الأجداد، هي صناعة (الخام)،إذا قلتَ: خام فوعي، عنيت قماشاً أضرب فيه السكين ترجع عنه. لماذا لا يُفصّلون البناطيل من هذا الخام الرائع ويصنعون منه جنزاً لا يبلى، والقطن من عندنا واليد العاملة من عندنا؟
 نعم يا عمي حسيباً ها هم عمالنا من شمال بلاد الشام، يساهمون في صناعة الجنز من هذا الخام هنا في مدينة أزمير على شاطئ بحر إيجة، يعملون من الثامنة صباحاً، حتى الثامنة مساءاً، بقوت يومهم. وأتساءل من يعمل اثني عشرةَ ساعة في اليوم في العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، لتأمين لقمة عياله؟ قال أحد أصدقاء العمل: والله لو كان (آدم) مستلق على سرير من العسل خمس عشرةَ ساعة لتعب. والأكثر شناعة وفظاعة ورعباً وردية العمل الليلي من الثامنة مساءاً حتى الثامنة صباحاً. هذه وصمة عار في جبين الرأسمالية العالمية، ورأس المال، نهمٌ جشعٌ لا يشبع، يُطلُّ علينا كل صباح بوجهه القبيح. وأسمع صوت شيخموس في وردية لليل يهتف من قلب موجوع: بس يا جنز، مستعيراً عنوان أول فلم عن عمال (غوص اللؤلؤ) ومعاناتهم اليومية، في مياه الخليج العربي، باسم (بس يا بحر) و(كُلُّنا في الهوا سوا).
 أتذكَّر في ضجَّة ليل مرخٍ سدوله في فضاء المعمل، صديقي كارل ماركس و كتاب (رأس المال) فهو الذي أطلق هذه الحركة المشاعية التي انتظم فيها ملايين الجياع في شتى القارات،  وأدت إلى تحسين جذري في معيشة الكادحين، على نطاق كوكب الأرض، وهذا ما سعى إليه من تأليف كتابه الشهير. ماركس من أولئك الفلاسفة الكبار الذين يتمتعون بقدرة مذهلة على الاستمرار، فقد تكامل مشروعه المشاعي فكرياً واقتصادياً واجتماعياً وسياسياً. ويحضرني قول أحد العاملين المخضرمين في أضخم بنك للاستثمار في الولايات المتحدة الأمريكية: كلَّما طال بقائي في (وول ستريت) ازدادت قناعتي أن آراء كارل ماركس الاقتصادية كانت على صواب، وجائزة نوبل تنتظر ذلك الاقتصادي الذي سيبعث ماركس ويجمع آراءه كلَّها في نموذج متماسك. أنا مُقتنع بالكامل أن طرح ماركس هو أفضل طريقة لرؤية الرأسمالية. ألم يؤمن يقيناً أن الطريقة التي يعمل بها المجتمع على تنظيم الإنتاج،  تصوغ في النهاية مواقف الناس ومعتقداتهم؟

حسيب كيالي
ولد الأديب السوري حسيب كيالي في إدلب عام 1921، تلقى تعليمه الابتدائي في مدينة إدلب، والثانوي في مدينة حلب، وتخرج من جامعة دمشق، حاملاً الإجازة في الحقوق. عمل في الترجمة والصحافة، واشتهر بنقده الأدبي والسياسي، وكتاباته المتنوعة في الصحافة العربية، عضو اتحاد الكتاب العرب في سورية، وجمعية القصة والرواية، من مؤلفاته: «مع الناس» (قصص) بيروت 1952. «أخبار من البلد» (قصص) بيروت 1954. «مكاتيب الغرام» (رواية) بيروت 1956. «الناسك والحصاد» (مسرحية شعرية غنائية) دمشق 1969. «أجراس البنفسج الصغيرة» (رواية) بيروت 1970. «رحلة جدارية» (قصص) 1971. «حكاية بسيطة» (قصص) دمشق 1972. «المهر زاهد» (حكاية شعبية ممسرحة) دمشق 1973. «تلك الأيام» (قصص) دمشق 1977. «مسرحيات في خدمة الشعب» دمشق 1978. «الحضور في أكثر من مكان» (قصص) دمشق 1979. «المارد» (قصص) دمشق 1982. «قصة الأشكال» (قصص) 1991. «من حكايات ابن العم» (قصص) 1992. «نعيمة زعفران» (رواية) 1993 توفي في  6 تموز  1993