_
رحلة البحث عن اللاشمولية
مأمون علي مأمون علي

رحلة البحث عن اللاشمولية

الشمولية، عند سماع هذا المصطلح يتبادر إلى الذهن مشهد معين، قد يكون على سبيل المثال مجموعة من الأشخاص يلبسون الثياب نفسها ويقومون بأفعال رتيبة وبطيئة وبحالة من البؤس كالروبوتات، أو قد تكون الصورة أشد تطرفاً فتصور مجموعة من العسكر يجبرون الناس بقوة السلاح للمشي على الرصيف والالتزام بالإشارة المرورية، وقد تكون أوسع وتصور جحافل من الناس تبكي قائداً لبلدهم وتزاود في الحزن عليه، ولكن هل تكفي هذه الأنماط من الصور اليوم للتعبير عن هذا المصطلح؟

تعرف الشمولية أو الكُليَّانية عادةً بأنها المحاولة من قبل جهاز الدولة للسيطرة على مختلف جوانب الحياة الشخصية والعامة، سواء كانت اقتصادية أو تعليمية أو أخلاقية، أو حتى ذائقة فنية، وفرض إيديولوجيا رسمية وضخها في فروع البلد المعني كافةً، ويتم عادةً التمييز بين مصطلح الشمولية والسلطوية بأن السلطوية هي سيطرة نخبة صغيرة على السلطة السياسية واحتكارها، ولا تتشعب السلطوية إلى فروع الحياة الشخصية والعامة، وإنما تبقى حبيسة دائرة السلطة، وعليه تعتبر الشمولية أكثر تطرفاً وأشد وطأة على المجتمع وأفراده.

تطور المصطلح
تطور مصطلح الشمولية مع تطور الحاجة والغرض منه، والقوى المهيمنة التي تستخدمه، حسب المرحلة التاريخية، استخدم هذا المصطلح قبل الحرب العالمية الثانية، لذمّ أو تعظيم كل من الحركة النازية والفاشية حيث يسجل أول تطور لمفهوم الشمولية في عالم السياسة بالعام 1927 من قبل المحامي الألماني النازي كارل شميت في كتابه (مفهوم السياسة) في محاولة منه لتقديم الأساس القانوني لمفهوم الدولة البالغة القوة، وقبل ذلك كانت هناك محاولات لشرعنة هذه الأنظمة، فعلى سبيل المثال قام المنظر للفاشية الإيطالية المعروف جيوفاني أمندولا بالعام 1923، بصياغة مفهوم الشمولية بأنها (شمول) السلطة السياسية من قبل الدولة وأن النظام الفاشي يختلف نوعياً عن الأنظمة الدكتاتورية، لاحقاً إبان الحرب العالمية الثانية وبعدها ربط هذا المصطلح مع النظامين النازي والفاشي، كمنظومة رمزية مغلقة، وأصبح ذكر المصطلح يستدعي إلى المخيلة النظام النازي ومنظومته، واستخدمت هذه المنظومة المغلقة أثناء الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي، في الهجوم على الاتحاد السوفيتي على أنه تجسيد للنظام الشمولي خلال تلك المرحلة، ومحاولة ربطه من خلال هذا المصطلح بالنظام النازي والفاشي. بتنميط التصورات عن النظام النازي على النظام السوفيتي، وتحوير الصورة عن النظام السوفيتي إلى دكتاتورية عسكرية، تعمل على طول الخط الزمني على قمع الحريات الشخصية بالعنف المجرد، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وهيمنة القطب الواحد، عالمياً. تم استخدام هذا المصطلح بتطوراته حسب مصلحة وهوى القطب المهيمن، فتم احتلال العراق بتهم ساذجة منها القضاء على الدكتاتور الشمولي، وتفكيك الأنظمة الشمولية، بالاعتماد على المنسوب المنخفض من الرضى الاجتماعي في هذا البلد، وأضحى هذا المصطلح ككرت أحمر يرفع بوجه الأنظمة التي لا تصطف وفق مصالح الولايات المتحدة، واليوم بات مصطلح الشمولية يحمل مخزوناً عالياً من التهم والتصورات المسبقة ويعتبر مناقضاً لمفهوم الحضارة العالمية، ولكن هذا الطرح يولد تساؤلاً مهماً: أين يوجد النظام

اللاشمولي؟ ماذا عن النمط الغربي؟
إذا كانت (تهمة الشمولية) تخص معظم بلدان الشرق والأنظمة التي لم تتخندق كما يجب في خندق الهيمنة الغربية، فماذا عن الغرب نفسه؟ هل المواطن في تلك البلدان بجوانب حياته الشخصية كافةً، بمعزل عن أجهزة مركزية ما؟ وهل يملك إرادة حرّة فيما يملك؟ هل جوانب الحياة الثقافية والفنية والاقتصادية والأخلاقية ...إلخ بعيدة كل البعد عن المركزية والتحكم؟
يعتبر العديد من الدارسين في مجال التأثير بالوعي الاجتماعي (سيرغي قره مورزه نموذجاً)، بأن هناك نموذجاً شمولياً في الغرب أكثر تطوراً، ويؤثر في جوانب أكثر بكثير مما هو عليه النظام الشمولي الموصوف عادةً، يعتبر الجهاز المركزي الأساسي فيه هو الميديا من فضاء الكتروني (تلفزيون، إذاعة، فضاء التواصل الاجتماعي...الخ) ويعتبر القائمين على هذا الجهاز من الأشخاص المتحكمين بالوعي الاجتماعي والأمثلة كثيرة وقد لا تنتهي، من إقناع المواطنين الأميركيين بضرورة احتلال العراق إلى نمط الحياة (لايف ستايل) الأميركي المعمم عالمياً، حيث يؤكد العلماء الدارسون بأن من يملك التحكم بمجالين هما مجال الوصول إلى المعلومة ومجال التواصل يملك التحكم جزئياً، ولفترة نسبية بالوعي الاجتماعي، ويتم التفريق بين النمط الشمولي المتطور والنمط الدكتاتوري التقليدي بالعديد من الجوانب نذكر منها:
في النمط التقليدي، هناك محاولة لمنع المعلومة المختلفة والمتناقضة مع المنظومة، لذلك يتم محاولة حجب بعض المواقع والقنوات الإعلامية والإذاعية، أما في النمط الغربي فهناك محاولة لتعريض الأفراد بالقدر المتاح للميديا بحيث تصبح فترة أساسية من حياة كل شخص.
في النمط التقليدي تكون الطبقة المستفيدة غالباً في رأس السلطة، أما في النمط الغربي الطبقة المهيمنة متحكمة والموظفين في جهاز الدولة من الرئيس وحتى أصغر الموظفين عبارة عن أجراء لديها.
في النمط التقليدي يكون التحكم مباشر ومكشوف، ويسهل التفكير بعقلية خارج إطار العقلية المهيمنة، أما في النمط الغربي فيكون التفكير خارج إطار العقلية المهيمنة أصعب بكثير مما يجعل الكثير من العلماء يصنفون النمط الغربي من الهيمنة الفكرية بالأخطر على الوعي الاجتماعي.
النمط التقليدي تكون حدود التأثير على الأكثر هي حدود البلد نفسه، في النمط الغربي تتسع الحدود نتيجة اتساع جهازه المركزي (الميديا) ليشمل بلداناً أخرى وقد تتبنى نخب البلدان ذات النمط القديم النمط الغربي بسبب جاذبيته وتأثيره فيها.

إذاً فأين البديل؟
لصياغة البديل اليوم لابد أولاً من فهم الغرض من تهمة (الشمولية) ومحاكمتها بموضوعية والقدرة على استنباط جوهر المسألة.
أضحى مصطلح (الشمولية) خلال تطوره يحمل مخزوناً واسعاً من التهم والتصورات الجاهزة يراد فيما يراد منه اليوم تعطيل مركزية جهاز الدولة، وإلغاء دورها وخاصة التنظيمي الاجتماعي والوطني منه، أي: إلغاء الجانب الذي يعزز دور هذا الجهاز كجامع لوحدة البلاد واستقرارها، لكن لا يكفي فقط وجود هذا الجهاز لقيامه بهذا الدور وإنما الجوهري هو وجود هذا الجهاز بيد الطبقة المنتجة ولخدمة مصالحها ضد المصلحة الفردية الضيقة، وتكمن المشكلة في أن جهاز الدولة في معظم دول العالم يملك من قبل الطبقة الضيقة المستفيدة من علاقات الإنتاج القائمة، والتي تسعى إلى السكون الاجتماعي المطلق لإدامة حياتها كطبقة إلى ما لانهاية ، فالمشكلة تكمن إذاً بمن يملك الجهاز المركزي، وعندما يراد ضرب مصطلح الشمولية لتقديس الحرية، والمصلحة الفردية (يقصد بها حرية الأفراد من عالّية القوم فقط) نقول الحرية والمصلحة العامة هي المقدسة، فلا وجود للفرد الحر دون مجتمع حر، لسنا ضد الحرية الفردية، ولكن تنتهي حدود الحرية الفردية عند حدود الحريات العامة حرية الطبقة المنتجة.