_
من يحكم العالم؟

من يحكم العالم؟

بات الحديث عن أفول نجم الولايات المتحدة كقوة مهيمنة على القرار العالمي،وتراجع دورها، ووزنها الدولي سمة مشتركة لكثير من الأبحاث والدراسات الغربية عموماً، والأمريكية خصوصاً، وإذا كانت المقاربات حول أسباب ذلك تختلف من جهة الأسباب والمقدمات، والمآلات، إلا انه بات أمراً متفقاً عليه، تنشر قاسيون فيما يلي قراءة في إحدى هذه المقاربات، لعالمة الاقتصاد البريطانية نورينا هيرتز، التي صدرت في كتاب تحت عنوان (السيطرة الصامتة، الرأسمالية العالمية وموت الديمقراطية) تتنبأ بنهاية تراجيدية للنموذج الأمريكي، وبغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع بعض المصطلحات، والأفكار في متن الكتاب....

عملت عالمة الاقتصاد البريطانية السيدة (نورينا هيرتز) بجد في تشريح جسد النظام الرأسمالي العالمي في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، ونشرت نتائج هذا التشريح في كتاب حمل عنواناً لافتاً (السيطرة الصامتة، الرأسمالية العالمية وموت الديمقراطية) وقد صرَّحت علناً أنها سعتْ كي يكون هذا الكتاب نصيراً للشعب والديمقراطية والعدل الاجتماعي. وتريد من خلال كتابها هذا أن تمتحن التبرير الأخلاقي لتلك الرأسمالية، التي تشجع الحكومات على بيع مواطنيها. وتسعى إلى أن تظهر كيف أن السيطرة الصامتة التي يمارسها أصحاب رأس المال على الحكومات والهيئات الاجتماعية تُعرّض الديمقراطية للخطر.                                                  

1
تؤكد أن  كتابها لا يراد منه أن يكون ضد اقتصاد رأس المال. إذ من الواضح أن الرأسمالية أفضل نظام لصنع الثروة. وقد عملت التجارة الحرة وأسواق رأس المال المفتوحة على إيجاد نمو اقتصادي غير مسبوق، استفاد منه معظم سكان العالم، إن لم يكن جميعهم. كما أنها لا تنوي أن تمجد الحكومات، مع قناعتها أن على الدول أن ألاّ تفقد الدور الاجتماعي الذي وجدت من أجله، لاسيما الآن، حيث تنطمس الحدود بين النشاط التجاري والحكومة وتنعدم القيادة السياسية ذات الإرادة الصلبة. مما يؤدي إلى اتساع الهوة بين من يملك ومن لا يملك، مع أن المُلك كله لله. والشحاذ الذي يقف على أرصفة المدن المكتظة بالناس المتخمين ويطالب بحقه من مال الله، يعي حركة الاقتصاد أكثر مما يعيها هؤلاء الذين يتحكمون بعيش الفقراء في العالم.                        

2
من جهتي أشكر الكاتبة لأنها استطاعت كسر هذا الصمت، ولا أطالبها بما لا تستطيع. فلو ذهبت أبعد من ذلك لنهشتها وسائل الإعلام التي يسيطر عليها أصحاب رأس المال. وهذه السيدة الاقتصادية بريطانية الجنسية وتعرف قواعد اللعبة جيداً. هذا هو عالم السيطرة الصامتة، العالم صبيحة العقد الأول من الألفية الجديدة، حيث أيدي الحكومات مقيدة، و أصبحت الشركات الكبرى تتحكم بمصائر  الدول. ورغم عدم اعتراف الحكومات بهذه السيطرة فإنها تجازف بتحطيم العقد الضمني بين الدولة و المواطن الذي هو أساس المجتمع الديمقراطي.  حيث غدا الناس أقل ثقة بالمؤسسات الحكومية الآن مما كانوا علية قبل عقود، يتجلى هذا في تراجع نسب المقترعين في الانتخابات العامة، و قد لا يكون من العجيب أن يدير جمهور الناخبين ظهورهم لسياسات تقليدية، حتى في بلدان تعلن بأن الديمقراطية هي واحدة من أعظم إنجازاتها عندما تكون الحكومة فيها، و مهما كانت قناعاتها السياسية، في ضعف مطرد، غير مستعدة أو غير قادرة على أن تتدخل إلى جانب مصالح مواطنيها، وفاقدة - كما يبدو - لأي إحساس بالغاية الأخلاقية.                             
3
 لا عجب إذا كان مواطنوها يتجاهلون صناديق الاقتراع و البرلمان نفسه كوسيلة لتسجيل مطالبهم و احتجاجاتهم و أصبحوا يزدادون بعداً عن الأحزاب السياسية وأكثر نقداً للمؤسسات السياسية، ولم يحدث مثل هذا الانصراف عن السياسة مند تطور حق الانتخاب للجميع. إن الحكومات التي حاربت في الأمس من أجل الأرض والوطن صارت تناضل الآن بشكل عام من أجل مؤشرات السوق، وغدت إحدى الوظائف الأولى لهذه الحكومات إيجاد بيئة يمكن أن تزدهر فيها الشركات وتجتذبها. وأصبح دور الشعب، إلى حد كبير، توفير البنية التحتية التي تحتاج إليها هذه الشركات وبأقل تكلفة. ولم يشهد التاريخ الحديث مثل هذه الهوة التي تفصل بين الفقراء والأغنياء، ولا مثل هذه الأعداد من المستبعدين، أو الذين لا نصير لهم. وتتجاهل الحكومات مواطن الضعف في هذه الرأسمالية التي تُسهم في إفقار قسم كبير من الناس، وتدفع بهم نحو البؤس والفاقة. وهذه الحكومات يزداد عجزها عن معالجة نتائج أنظمتها بسبب إجراءات السياسة التي تطبقها.                      

4
ويستمر الصدام وبمستويات شتى بين الشعب وبين السلطة، دون أن يحسم لصالح أحد الطرفين. وفي مجرى الصراع تصعد إلى السلطة في مدد متفاوتة شخصيات تتسم بجنوح الحاكم المستبد في التعامل مع الشعب، وطريقة استخدام الصلاحيات. إن الحداثة الغربية لم تستطع حتى الآن وبعد مرور ثلاثة قرون أن تستوعب ثورة التنوير في الفكر الأوروبي، التي سبقت الثورة الفرنسية. وهذه الثورة لم تكن إلا صدىً واحدً من الأصداء، التي كان ينتظر أن تتركها كتابات فولتير وروسو وغيرهم من منوّري القرن الثامن عشر. ألا نرى من يحكم العالم اليوم ؟ هل هم تلاميذ روسو وفولتير، أم أحفاد شارلمان وريتشارد قلب الأسد؟                                                         

5
إننا نقف اليوم،-تقول الكاتبة-في مفترق طرق حرج. فإن لم نفمل شيئاً، وإذا لم نتحدَّ السيطرة الصامتة، وإذا لم نمتحن نظام اعتقادنا، وإذا لم نعترف بذنبنا في خلق نظام العالم الجديد هذا، فإن كل شيء سيذهب هباء. إن الوصول إلى عالم أفضل شيء ممكن، عالم أكثر مساواةً، أوفرعدالةً، أوسع ديمقراطيةً. إن أولئك الذين حرموا من الحقوق الانتخابية الحقيقية نتيجة سيطرة أهل الثروة والجاه على مقاعد البرلمان، واستخدامها من أجل مصالحهم الخاصة، وبالتالي فقد البرلمان دوره الحقيقي، الذي وجد من أجله. وإن أولئك الذين آثروا أن يتحدثوا نيابة عن المحرومين، فقدوا ثقة الشعب نتيجة فسادهم. وبالتالي سنحتاج إلى وضع آليات جديدة لمساعدة الناس على محاربة الظلم كجزء من إعادة بناء أوسع للمؤسسات التي تمثلهم. ويجب إعطاء الناس جميعهم أينما كانوا في الريف أو المدن الحقوق الأساسية من أجل حياة كريمة. يجب ضمان حقوق العمال والفلاحين كالصحة والسلامة والرعاية الاجتماعية في العمل، وألاّ يطرد العامل من عمله، أو يُستغنى عنه دون مكافأة كافية، ليعيش حياته عزيزاً في مجتمعه.