_
ثمة «حياد» على كوكب زحل

ثمة «حياد» على كوكب زحل

هل يمكن لوسيلة الإعلام - أياً كان شعارها والجهة التي تمثلها- أن تدَّعي «الحياد»؟ أو حتى أن تدَّعي أن عملها يقتصر فقط على نقل «الحدث» أو «الواقع كما هو»؟ وهل هذه الجريدة التي تتصفحها الآن، ورقياً كان أم إلكترونياً، «حيادية» في تغطياتها المختلفة؟

لن ندخل هنا في مماحكات حول صدق أو كذب هذه الوسيلة الإعلامية أو تلك في تعبيرها عن رغبتها بنقل مجريات الواقع الذي تغطيه «كما هو»، دون إقحامٍ لرأي سياسي ما في عملية التغطية هذه. سنذهب إلى أقصر الطرق، وسنفترض أن تلك الرغبة صادقة بحق، هل يمكن إذاً للوسيلة الإعلامية أن تكون حيادية؟ وأية مطبات ستواجهها في هذا الطريق؟

ماذا ستقول؟

بمجرد أن بدأت الكلام أو الكتابة، فقد اتخذت لنفسك موقفاً. والواهم فقط من يعتقد أن بإمكانه صياغة خبر ما، مهما قلّ حجمه، دون أن يحجز لنفسه موقفاً سياسياً. هاك حدث يجري في فلسطين المحتلة، وعليك أن تصيغ خبراً مقتضباً عنه. ما الذي ستستخدمه من مصطلحات؟ (فلسطين، فلسطين المحتلة، الأراضي الفلسطينية، الدولة الفلسطينية). وفي المقابل، بأية طريقة ستصف كيان العدو؟ («إسرائيل»، العدو، الاحتلال.. إلخ).

خلف كل مفردة ومصطلح، ثمة توجه سياسي كامن لا يمكن لأي وسيلة إعلامية أن تتحاشاه. وباستخدامها لهذا المصطلح أو ذاك، تغدو الوسيلة الإعلامية مسؤولة عن التوجه السياسي الذي يندرج المصطلح المستخدم ضمن أدواته. ولا بد من الإشارة هنا إلى أن الأغلبية الساحقة من الوسائل الإعلامية بات لديها ما يعرف بقاموس المصطلحات الخاص بها، والذي يكشف بمجموعه عن الخط السياسي التي تمثله.

ماذا ستنقل؟

يفترض البعض أن قيام إحدى الوسائل الإعلامية بنقلٍ مباشر (على مدار الساعة) لحدثٍ ما، سوف يعفيها بديهياً من المساءلة، ويضعها تلقائياً في صفوف الحياد. غير أن الحقيقة أبعد من ذلك. فأية وسيلة إعلامية محكومة بأن تجري عمليات اجتزاءٍ للواقع الذي لا يمكن نقله «كما هو»، ذلك بسبب الكم اللامتناهي من التفاصيل الذي لا تستطيع الكاميرات تصويره بشكلٍ كامل، ذلك عدا عن التفاصيل الأخرى التي لا تنحصر أصلاً في المجال البصري فقط.

تلعب هذه الاجتزاءات دور «اليد الخفية» التي توهم المتلقي بأنه أمام «صورة طبق الأصل» عن الحدث الذي تنقل الوسيلة الإعلامية جزءاً منه فقط. وفي تلك الاقتطاعات، يكمن الجزء الدسم من عملية التلاعب الإعلامي، بما يخلفه من انطباعاتٍ وردود أفعال لدى المتلقي. فالانطباع المتولد عن تركيز وسيلة إعلامية ما على العمليات الإجرامية لمقاتلي تنظيم «داعش»، وعن التعليقات السياسية التي تتزامن مع عرض هذه المشاهد، تختلف تمام الاختلاف عن الانطباع المتولد عن تركيز وسائل إعلامية أخرى على عمليات المقاومة الشعبية الوطنية ضد هذا التنظيم. في الأولى، يجد المتلقي نفسه أسير خوفه أمام رهبة هذا التنظيم، ليسهل عليه «هضم» آراء المحللين المعلقين على هذا الحدث. وفي الثانية، يستقبل المتلقي إشارات بأن مواجهة هذا الإرهاب ليست مستحيلة. في الحالتين الخوف موجود، وهو حالة إنسانية صحية، لكن في الأولى جرى استثماره لإعادة المتلقي إلى «منظومات حماية» تستفيد من حالة الخوف لتتحكم بسلوك الجمهور، وفي الثانية جرى توظيف الخوف لبحث الإمكانيات المنطقية لإنهائه.

مع من ستتحدث؟

واحدة من المسائل الأساسية التي تتنافى مع وهم «نقل الواقع كما هو» هي المسألة المتعلقة بأولئك الأشخاص (المحللين، المفكرين، أصحاب الرأي.. إلخ) الذين «ستستطلع» الوسيلة الإعلامية رأيهم في إطار تغطية حدث ما. حيث أنه من المؤكد أن هذه الوسيلة عاجزة عن نقل «كل الآراء» المتمحورة حول هذا الحدث. وبالتالي، يصبح «اجتزاء التعليق» واحداً من الأدوات الفاعلة في عملية التحكم بسلوك المتلقي، وسجنه في زنزانة مسوّرة بآراء المحللين الذين غالباً ما يخدمون الفكرة ذاتها (مهما علا صراخهم في وجوه بعضهم البعض). فبمجرد حبس المتلقي بحدود «رأيين» وتغييب رأي ثالث أو أكثر، يسقط القول بإمكانية «الحياد».

ما هو الحل؟

ذكرنا فيما سبق جوانب قليلة فقط حول المطبات التي تحول دون «حياد» الوسائل الإعلامية، ولم نتحدث بعد عن الجوانب الأكثر مباشرة وهي كثيرة لا يمكن حصرها هنا. وإن كان الاستنتاج العام هو انعدام القدرة على نقل الواقع كما هو، قد يبدو السؤال منطقياً: ما هو السبيل الممكن لوسيلة إعلامية جدية تريد حقاً ألا تتلاعب بوعي المتلقي؟

أول خطوة هي إسقاط الوهم بأن ثمة وسيلة إعلامية لا تخدم خطاً سياسياً ما، وأن أحداً ما على وجه هذا الكوكب قادر على نقل الواقع كما هو. غير أنه وإن كانت الوسائل الإعلامية محكومة بأن تجري عمليات اجتزاء للواقع، فإن ما يميز وسيلة الإعلام الجدية هو اقتطاعها لتلك الجوانب الأكثر جوهرية والتعليق عليها. وهنا يبقى السؤال قائماً: أي خطٍ سياسي تمثل وسيلة إعلامك؟ ولمصلحة من؟ أما «الحياد الإعلامي» فربما يكون موجوداً على كوكب زحل...