_
في التطرف

في التطرف

مع تراكم مفاعيل الأزمة الاقتصادية – الاجتماعية وتراكم مفاعيل عدم حلها، أو حلها بشكل منقوص أو باتجاه خاطئ؛ ومع انفجارها، تبدأ الأرض بالتشقق، وتسير الحمم في الشقوق الثانوية بعيداً عن فوهة البركان الرئيسية.

إن الفوالق الثانوية التي يتم العزف عليها، تتراوح بين القومية والدينية والمذهبية، وكل أنواع الفوالق الممكنة التي تبعد المتضررين بالمعنى الطبقي عن مشكلتهم الأساسية.

إن الاحتقان الذي تسببه الضغوطات  الاجتماعية الاقتصادية، والحلول الجزئية التي ترتكز في عمقها على تجييش طرف ضد الآخر، كمثال حل مشكلة أحد الأطراف جزئياً في الصراع الثانوي، وترك الطرف الآخر يعاني كلياً، رغم كون المشكلة الأساسية تمس الجميع، يولد حقداً من طرف تجاه الآخر وينسي الطرفين من هو المسبب الأساسي للمشكلة، ويأتي هنا دور الإعلام والمتخصصين في  نبش الصفحات المظلمة للتاريخ وتحميل الناس البسطاء، وكل من يمت لهم بصلة القربى،  مسؤولية كل ما هو بائس في هذا التاريخ، وكأن كوارث التاريخ يصنعها من يقع عليه الفعل، أو من هو أداة فيها، كل ذلك في سبيل إنتاج ردات فعل مدروسة الغاية، تصنع تاريخاً جديداً من الظلمة، يمكن البناء عليه من أجل إنتاج أزمات ثانوية تعزف من جديد على وتر إنكار الأزمة الرئيسية.

كل هذه الدوامة المتصاعدة أو المتخامدة في حدتها، تصنع ثقافة تطرف تبقى موجودة تحت الطلب، كلما كانت الحاجة موجودة لها يتم استدعاؤها من خزانة الأدوات المستخدمة، وفي رفّ الخزانة هذه، توجد أنماط عديدة من التطرف، في كل رف تطرفان، موجودان في رزمة واحدة، لا يمكن استخدام أحدهما دون الآخر، لأنهما كالقفل والمفتاح، لا يصلحان إلا سوياً، فالتطرف يتطلب وجود حدين، يتم بدقة صنع التمايزات المولدة للخلاف بينهما على أساس ما ذكرناه سابقاً، من خلال حل الاحتقان بطريقة تمييز طرف على حساب الطرف الأخر، بما يوحي بأن هناك طرفاً هو المسبب للمشكلة والطرف الآخر هو المتضرر، في إخفاء متعمد للطرف غير المتطرف المسبب للتوتر، وللتوتر طبعاً قطبان لا يصح إلا بوجودهما، فهما تطرفان حدّيان حتماً يتم تغذيتهما باستمرار، بطريقة التنقيط أحياناً، وبالغمر في أحيان أخرى، حسب ضرورات الوضع الاقتصادي الاجتماعي.

ولا يختلف التطرف الديني عن التطرف لقومي أو المذهبي، في الأدوات والاستخدامات، ويبدو للمراقب أن هناك نوعاً من التخادم بين الطرفين المتطرفين، وهذا التخادم عضوي، أي أنه من أصل تركيب هذه البنية المصممة بهذا الشكل من أجل تعزيز الصراع.

ويأتي من يخدم هذا التطرف من ضمن منظومة التطرف نفسها، من يدعي مقاومة ثقافة التطرف، ليعزف على أن أحد الطرفين المتطرفين متطرف أكثر من الطرف الآخر، معززاً تطرفاً أكبر من نمط أكثر تعقيداً يصيب ما يسمى النخب اللامتطرفة، التي تسعى إلى حل مشاكل التطرف من خلال إلغاء التطرف دون إلغاء أسبابه؛ فتكون النتيجة فقدان البوصلة في الصراع، ودخول كل أطرافها في دوامة، تطرف، وتطرف تجاه التطرف والمزيد من الفوضى التي ترفض الحل والاحتقانات المتراكبة، في تطبقات تاريخية مكانية وزمانية، لا ينفك الإعلام عن اجترارها كمادة دسمة، تصلح على الدوام لتوفير منتجات إعلامية غثة، قابلة لقتل آخر بؤرة أمل ممكنة باقية في نفوس متلقي تلك الوسائل الإعلامية فيروسية السلوك، المتكاثرة من موت معيليها.