_
البحث عن الهوية الثقافية

البحث عن الهوية الثقافية

عرف الناس في بلادنا أن هناك نخباً ثقافيةً فوقيةً، وكل ما كان يصدر عنها هي ثقافتنا التي نتابعها بشكل أشبه بالروتين الذي يجري بثه في التلفزيون والصحافة. وإذا كانت الثقافة تستمد معناها من الناس وتعود بما تنتجه لتتوجه إليهم، فالنخب الثقافية السائدة هم أبعد ما يكون عن تحقيق ذلك.

انهارت أغلب النخب الثقافية المتفسخة أصلاً خلال الأزمة، وأصابها ما أصاب البلاد من انقسامات ثانوية، أتت على كل شيء، منقسمةً على نفسها إلى مسوخ أصغر في لحظة التفسخ والانهيار. استيقظت الأصولية تحت مسمى الآرامية والفينيقية عند البعض، وظهرت موضة تبني «السورية» عند آخرين في مواجهة «العروبة»، ونزل الوحي الإيماني الزرادشتي على البعض الآخر في مواجهة الإسلام، وغرق آخرون في تشدد من نوع آخر لم يتجاوز مستوى الدفاع المستميت عن قديم يموت في محاولات مختلفة الأشكال للعودة بنا آلاف السنين عبر «آلة الزمن الثقافية». 

كانت هذه الظواهر شكلاً آخر للنخب الثقافية المأزومة، وغير القادرة على صياغة أجوبة عن أسئلة الهوية الثقافية الوطنية السورية، التي بدأت تطرح نفسها بقوة، ووقع بقايا هؤلاء الفوقيون المنقطعون عن آلام الناس، في الواقع، في سلسلة من القفزات «القومية القديمة والجديدة»، متنقلين من فكر قومي إلى آخر ليس إلا، ومعتقدين بأنهم حققوا الاكتشاف العظيم وكل انتقال حسب رأيهم هو خلاص من  «أصل البلاء» في ثقافتنا وحياتنا. 

في الحقيقة غرق هؤلاء السادة في ثنائية «التكفير والليبرالية»، وتوزعوا بين تفريعاتها المختلفة، في إطار فهم مشوه للتعدد الثقافي، لا يعتمد تكامل الثقافات كما هو مفترض،  بل ينطلق من كونها ثقافات متضادة، لا يمكن أن تتعايش، بشكل يؤدي إلى عداء مع المحيط الطبيعي والجغرافي والبشري والتراثي، وليست اكتشافاتهم المفاجئة سوى شكل آخر للقديم المأزوم، الذي حان موعد موته.

إن رحلة البحث عن الهوية الثقافية السورية، تقع في وادٍ آخر أيها السادة.

إن صياغة مشروع ثقافي وطني بشكل يتناقض مع ثنائية «التكفير والليبرالية»، على أساس المشتركات، والتكامل، اللذين تفرضهما الجغرافيا والتاريخ، هو الجديد الضروري الذي تطلبه الحياة، الذي حان موعد ولادتها، والذي سيتبلور بعيداً عن الكثير من هرطقة النخب السائدة، وتقع على عاتقه مهمة دفن القديم المتفسخ بأشكاله، وتسجيل شهادة وفاته في السجل الثقافي.

إن إحياء طقوس الثقافات المحلية، كحق مشروع، يجب ألا يؤدي إلى توظيفها سياسياً، بحيث تساهم في زيادة التوتر، بل في إطار تكامل وغنى الموروث الثقافي السوري، وفي عموم الشرق.

مشكلتنا أيها السادة في ثقافة قادمة من طرفين متطرفين، هما الأصولية والليبرالية، لا تعرف الحدود الطبيعية للثقافة التي يريدها الناس والتي يمكنها أن تسهم في خلق واقع جديد أكثر اقتراباً من طموحات السوريين.