أهل أول قالوا؟!

أهل أول قالوا؟!

كان الفيلسوف الصيني القديم كونفوشيوس، يقرأ بشغف لكل من سبقه من الحكماء والكتاب والفلاسفة، من خلال قراءاته المطولة تلك انتهى إلى نتيجة وحكمة تقول: «لكي نعرف الجديد، لا بد من دراسة القديم».

عمر هذه الحكمة أكثر من 2500 سنة، ولكن ما تزال صحيحة وتمارس دورها في الفلسفة والأدب، ونستطيع القول بأنها تلعب دوراً لا يستهان به في مجال الصحافة والإعلام أيضاً، فهي تعطي الجواب عن سؤال: من أين وكيف يتعلم الصحفي الخبرة والمهارة؟ صاغ آنجلز هذه الحكمة بشكل آخر في القرن التاسع عشر قائلاً: «إن التفكير النظري خاصة غريزية لكن على شكل ملكة فقط، ملكة يجب تطويرها وصقلها، وليس هناك وسيلة لذلك سوى دراسة فلسفة الماضي كلها» ماركس، آنجلز، الأعمال الكاملة، المجلد 20، ص 366. 

تشكل أراشيف الصحف والمجلات القديمة منهاجاً تعليمياً بحد ذاته في عالم الصحافة، وربما تستطيع كومة ضخمة من أوراق الجرائد القديمة ذات اللون الأصفر أن تخرج صحفياً أكثر جدارةً من ذاك الذي تعلم من المناهج الجامعية الرسمية.

بالتأكيد إن من يقرأ الصحافة القديمة لديه إمكانية أوسع في عدم الوقوع في الخطأ ويستطيع معرفة جذور القضايا والمسائل التي يتعامل معها، بالإضافة إلى قدرته على بناء قاعدة بيانات دائمة. وتختلف الأراشيف الصحفية القديمة عن الكتب القديمة لأنها تطلعنا على الآراء والأحداث من أزمنة سابقة، وتصور كيف كانت الحياة عندئذ، وليس كما تخيلها كاتب ما في رواياته وقصصه. 

تقوم كثير من المؤسسات الصحفية في العالم بتأسيس أقسام تعمل على حفظ نتاجها الفكري، لتكون بمثابة ذاكرة صحفية خاصة، يستفيد منها الصحفيون العاملون في هذه المؤسسات، وكذلك جمع أراشيف من صحف أخرى لتكون بمثابة ذاكرة عامة، وقاعدة بيانات من تجارب مثيلاتها من الصحف على سبيل المثال. 

ذات مرة قال الصحفي الدمشقي محمد المصري: الذي عمل في الصحافة السورية منذ خمسينات القرن الماضي حتى تسعيناته عن أهمية الجرائد القديمة: «ممنوع الدخول إلى عالم الصحافة قبل الدخول إلى قسم الأرشيف». لذلك فجبال الأوراق الصفراء القديمة، تلك الأراشيف المخبأة في بيوت السوريين هي مدارس وجامعات بحد ذاتها.