أغنية كردية لـ «هيلاريون كبوتشي»!

...إذ ذاك، لم يكن الخواء الثقافي شائعاً كما هو الآن، ولم تكن «الملتيميديا» المحتكرة قد هُشّمت وهُمّشت الثقافة الشعبية، ولم يكن «التخنيث» الثقافي قد ساد بعد، كان الرّجال رِجّالاً، ولم تكن الشاشات والمنابر قد أصبحت حكراً على أمراء الحرب، والأفاقين، وأنصاف المثقفين، وأنصاف الكتبه، ...وأنصاف المرتزقة،  - تباً لكم، حتى في هذه لم تفلحوا - ؟!

سمعت باسم هيلاريون كبوتشي وأنا طفل، إذ كان اسمه يرد في أغنية، للفنان الكردي عادل حزني، وتغنى في الحفلات الشعبية للكرد السوريين، الأغنية الكردية تلك، والتي تبدأ بعبارة «أنا صديق البشمركه على الجبال»، وتنتهي بـ«أنا الاشتراكي السوري» تزخر بأسماء رموز المرحلة من مكاريوس، إلى كبوتشي، إلى غيفارا وكاسترو وجكرخوين ونيرودا، وهوشي مينه، ومارتن لوثر،... الألى صعدوا إلى صليبهم، وبشروا بالخلاص، ليتركوا لنا نسقاً من القيم، والمثل، عنوانها تزاوج القول والفعل في السفر النضالي، دون أن يكون الموقف سلعةً تباع وتشترى في رابعة النهار، لتقول لنا: إن الهم الإنساني واحد، سواء كان كردياً أو عربياً أو سريانياً أو أرمنياً أو فرنسياً أو روسياً، أو أمريكياً.. 

رغم أن أحفاد قاتل قائد الحامية الفرنسية إبان الاحتلال كانوا يعتبرون خطراً على «الأمن القومي»، ومحرومين من الجنسية السورية، ورغم أن فرمانات عدم التحدث بغير اللغة العربية،  كانت تُلقى على مسامعنا بمناسبة ودون مناسبة، .. ربما لإثارة استفزاز الناس، ودفعهم للانعزال، من يدري...؟  فبعد أن حدث ما حدث ويحدث لنا،  يحق لنا ان نشك بكل شيء، كل شيء!   

لم يكن الساسة الفاشلون قد تجرؤوا بعد، أن يتحولوا إلى علماء بيولوجيا، ليدرسوا الحمض النووي، لهذا وذاك، لم يكونوا قد أصبحوا مختصين بعلم السُّلالات والأنساب، من أديان وأعراق، وطوائف و«أفخااااذ»، ويوزعوا شهادات «الوطنية» و «الثورية» على أساس ذلك.  

هيلاريون كبوتشي، المطران الذي لم يأسر الدين في شرنقة الطقس الكهنوتي، وكان كما ينبغي أن يكون عليه «خلفاء الله على الأرض»، فساهم بالعمل المقاوم المباشر، واعتقلته مخابرات الاحتلال، بينما كان يقود سيارته المحملة بالسلاح إلى المقاومة، وحكم عليه بالسجن 12 عاماً، أفرج عنه بعد 4 سنوات ونفي إلى روما...

كبوتشي، الذي قال يوماً: «لن أقف في منتصف الطريق ولن أهدأ حتى تُدق أجراس العودة... ونحن عائدون» كان في شباط 2009على متن سفينة الإغاثة «أسطول الحرية» التي كانت تحمل الأمتعة والغذاء لأهالي غزة المحاصرين من قبل الدولة الصهيونية، وتم مصادرة كل ما فيها، وطرد كل من تواجد هناك إلى لبنان، ومنهم مطراننا، كما وشارك في أسطول الحرية على متن «مرمرة» في أيار عام 2010.

قد يتنطع أحدهم، ويقول: إنه حنين إلى زمن مضى، نعم هو كذلك، ولكنه حنين إلى ما هو جميل في ذاك الماضي، وفي الوقت نفسه، حنين إلى الحاضر في بعده الثقافي الشعبي، المأسور في قمقم الحرب، وقبائل الساسة، وحنين إلى الغد الذي سيكون، ويحاول المارقون مصادرته. 

توفي الرجل يوم الأحد 1 يناير 2017، في منفاه الإجباري، وفي أربعين المطران الجميل، كان من جملة ما حضر في الذاكرة تلك الأغنية..   

سلاماً قامشلي، سلاماً أيتها النبضة في خافق البلاد،...سلاماً قامشلو، سلاماً قامشلية، سلاماً زالين ..هكذا هنّ الجميلات دائماً بأكثر من اسم، وتوأمهنّ الأغاني...

سلاماً كبوتشي ..هكذا هم – الرِّجال، الرِّجال ...

تمت قرائته 1917 مرة