_
«المعهد المسرحي» كما يراه بلال

«المعهد المسرحي» كما يراه بلال

في حكاية «كلخاس» التي كتبها الروائي الروسي أنطون تشيخوف، يستيقظ الممثل الكوميدي فاسيلي فاسيليفتش، ليجد نفسه في غرفة تبديل الملابس في المسرح الذي بدا له في الظلام موحشاً، بحيث دفعه ليتساءل إن كانت تضحياته من أجل العمل على خشبته طوال تلك السنوات تستحق العناء.

هناك يلتقي فاسيليفتش بالمُلقّن نيكيتا، الذي يبيت في المسرح ليلاً لأنه لا يملك مكاناً للعيش، بحيث يبدو أن الأدوار تنقلب تلك الليلة ليصبح الشاب المهمّش المكلّف بتلقين الممثلين حواراتهم بطلاً محورياً يستمع إلى خيبات الممثل الشهير. بصورة أو أخرى باتت الحكاية رمزاً  للعاملين المغمورين خلف الكواليس من فنييّ الإضاءة والديكور والصوت، أو الحرّاس وموظفي الاستقبال وعمال نظافة. لكل مسرحٍ في العالم «كلخاس» خاصٌ به، وكذلك الأمر فيما يتعلق بخشبات المسرح السوري.

إذا ما دخل المرء المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق، بين الساعة الثانية حتى الثامنة مساءً، سيجد عن يمينه مكتب الاستعلامات، الذي يجلس فيه موظفٌ متوسّط القامة، يرتدي نظارةً طبيةً ويتحدث بلكنة فلسطينية محببة، هو السيد بلال محمد عمرين، يعرفه تمام المعرفة طلاب أقسام الرقص والمسرح والسينوغرافيا كلهم، الذين درسوا في المعهد العالي للفنون المسرحية منذ عام 1998 وحتى اليوم.

بلال من مواليد 1966، قَدِم إلى المعهد العالي كعامل للتنظيفات عام 1993، وفي عام 1998 دخل إلى مكتب الأستاذ صلحي الوادي وطلب منه تغيّير وظيفته ليصبح موظف الاستقبال في المعهد، وما زال يمارس وظيفته حتى اليوم، إلى جانب عمل صباحي ضمن منشأة أخرى. يقول بلال: أنه جاء إلى المعهد بمحض الصدفة، وقبل ذلك لم يكن يعرف شيئاً عن المسرح. «لم أكن أعلم حتى بوجود معهد عالٍ للفنون المسرحية في البلاد، ولم أكن أعلم ما تعنيه كلمة سيمفونية» يقول.

ومنذ ذلك التاريخ وحتى اليوم، واظب بلال على مشاهدة عروض التخرج لطلاب قسم التمثيل جميعهم، التي قد يصل عددها إلى ما يقارب الخمسين، إلى جانب عروض متنوعة أخرى حضرها مصطحباً أفراد عائلته في مسارح أخرى. يتذكر بلال، أنه أحب عروضاً على وجه التحديد، مثل: عرض «خادم لسيدين» الذي أخرجه جمال سليمان، ومسرحية «منممات تاريخية» من إخراج نائلة الأطرش عام 1997.

ومع التّوغل في الذكريات، يختنق صوت بلال وهو يقول: «كانت الحيطان غير والأرض غير» واصفاً حال المعهد زمن الأستاذ صلحي الوادي الذي يعد بنظره الحقبة الذهبية في تاريخ المعهد، وفيها أجمل ذكرياته. حينها كان «المعهد (معهد) وعلى رأسه شخصٌ واحد، لكن وبعد انفصال المؤسسة إلى إدارتين لقسمي الموسيقى والمسرح، ساء الاثنان». 

أثناء الحوار مع بلال يعبر بنا بضعة طلاب يودعونه قبل الانصراف. ودون إلتفاتٍ للخلف، يعرفنا بهم بعد أن ميزهم من أصواتهم. يتحدث بلال عن سر العلاقة الطيبة التي تجمعه مع الطلاب الحاليين، ومع الكثير من الخريجين أو المدرسين الذين كانوا يوماً في المعهد، مثل: الدكتور سمير عثمان، والفنان وائل رمضان، والممثلة الشابة دانا مارديني، وغيرهم. في المقابل يعبّر عن كرهه لحالة الغرور والتعالي التي تتلبس الكثيرين: «هناك البعض ممن ينجحون اليوم في امتحان القبول ويصبحون «أساتذة» بعد أسبوعٍ فقط من دخولهم المعهد» يقول بلال، مضيفاً: بأنه لا يخجل من التعبير عن كرهه لمن يزعجه بالطريقة ذاتها التي يعبر فيها عن الحب. 

يعترف بلال دون مواربة أو خجل بأنه يحب تجريب التمثيل، وأنه في أحيانٍ كثيرة تجول في المعهد الخاوي مستمتعاً بكونه يمسك «بكل الخيوط في يده» -وفق تعبيره هو- يدخل أحياناً إلى استديوهات التدريب، أو يصعد خشبة المسرح. يتذكر مرة أنه وبعد أن انتهى من إدخال آخر طالب لقاعة كان يجري فيها امتحان قبول لطلبة التمثيل، طلب منه أحد أعضاء لجنة التحكيم الصعود إلى الخشبة وأداء مشهد. يضحك ويخبرنا بأنه لم يصعد لأنه «لم يكن مستعداً». 

بلال فلسطيني الأصل، عاش حياته كلها في مخيّم اليرموك في دمشق قبل أن يضطر للنزوح قبل خمس سنوات. وهو كغيره من الموجودين في المعهد، عرّض حياته للخطر أكثر من مرة جراء القذائف الكثيرة التي سقطت في المنطقة، بحيث يتذكر المرات التي اضطر فيها لإخراج الجميع من المبنى أو تجميعهم في مناطق أكثر أمناً لحين انتهاء الخطر. وهو يفكر اليوم بالرغم من تواضع الأجر الذي يتقاضاه بالاستقالة من وظيفته الصباحية ليعمل بدوامٍ كامل في المعهد الذي يحبّه. 

شعبية بلال بين الطلاب لا تأتي من طيبته فقط وإنما من قابليته للتطور والتفاعل مع الوسط الجديد، الذي وجد نفسه فيه قبل سنوات، بحيث أبقى على خصائص أصيلة حملها من بيئته، كالاجتهاد في العمل والعفوية والنقاء، مع قدرة على التعلّم وتطويع الحس النقدي الفطري. من مكانه وراء مكتب الاستعلامات، يتأمل بلال الحياة الأكاديمية والاجتماعية التي تتبدل ضمن بيئة خاصة، كالمعهد العالي للفنون المسرحية، ويراقب من دخلوا هنا طلاباً  ليخرجوا أشخاصاً مؤثرين بالحركة الثقافية والفنية السورية، بعضهم من يجد نفسه في هذا المكان، وآخرون يفقدونها!