سيكولوجيا المثقف المهزوم

في حركة التاريخ الجيبية صعوداً وهبوطاً محكومة بالدرجة الأولى بعوامل اقتصادية، فالنصف الأول من القرن العشرين، كان فترة صعود واضحة في حركة التحرر الوطني من الاستعمار القديم، ونهوض الحركات السياسية في أنحاء العالم كلها وبروز  الحركة الشعبية، وما رافق  ذلك من صعود الإنتاج الثقافي في العالم، في السينما والرواية والشعر، والقصة.. 

عكست النزعة الانسانية، وارتفاع درجة الشعور بالأمل في الوعي البشري، بأن الواقع المرير ليس قدراً لا يمكن الخلاص منه، بل هو وضع مؤقت، يمكن من خلال عمل البشرية جمعاء الخروج منه، بالطرق التي رآها من عاش في النصف الأول من القرن العشرين وما تلاه من ستينات القرن الماضي، يبرر ذاك الانزياح كون التغيرات على مستوى البناء الفوقي تملك نوعاً من الاستقلال النسبي المحدود عما يحدث في البنية التحتية المتمثلة في الاقتصاد.

 

نعود إلى تتمة الحركة الجيبية التي تحدثنا عنها أولاً، لنراها تهبط بسرعة تقارب صعودها الأول، أو تتجاوزه قليلاً في السرعة، بسبب التسارع الذي يحمله التطور الحالي، لتمكن الغرب الرأسمالي من ابتكار أساليب جديدة للتحكم الاقتصادي العالمي، ودخول مرحلة الليبرالية، ومن بعدها الليبرالية الجديدة، مع انهيار الاتحاد السوفييتي ودول أوروبا الشرقية.

ورغم بقاء الانتعاش الثقافي والفني لفترة وصلت حدود السبعينيات عالمياً، إلا أنها أعلنت انهياراً عميقاً متزامناً ومتكيفاً مع ثقافة العولمة والليبرالية الجديدة ودور البترودولار، وانحسار حركة الشارع لصالح «الفردانية» في الغرب وحاشيته المطيعة، بعد تسعينيات القرن الماضي، والعشر الأول من القرن الحادي والعشرين.

ومع ملامح الانهيار الاقتصادي العالمي، الذي كانت أولى بشائره في الحادي عشر من أيلول 2001 وأوضح تجلياته في 2008 مع ما يسمى بالأزمة العقارية في الولايات المتحدة. عدنا إلى المقلب الآخر من التفاؤل بحركة الشارع، وعودة الناس إلى إمكانية تحقيق آمالهم، لأن حركة التاريخ في صالحهم، كما كانت في صالحهم في النصف الأول من القرن العشرين.

إن الانزياح البسيط في الوعي، لدى العديد من «المثقفين» يجعلهم عمياناً أمام حركة التاريخ، وتصبح الحركات الصغيرة المتمثلة في صعود الطريق وهبوطه، قادرة على أن تعميهم عن الاتجاه الرئيسي، فبعد أن كانوا الواثق الرئيسي من الانتصار في مرحلة الهزيمة، يصبحون الآن الواثق الأكبر من الهزيمة في مرحلة الانتصار.

وبدلاً عن العين لا تقاوم المخرز، و«واهم من يعتقد أن بالإمكان مقاومة الأمريكان » و«اسرائيل قدر محتوم».

استطاع العديد من الشعراء والمثقفين الفلسطينيين الحفاظ على جذوة المقاومة في زمن الاحتلال الطويل، ورغم عدم وجود الإمكانية الموضوعية آنذاك لحل القضية الفلسطينية، إلا أنها بقيت في قلوب وعقول المقاومين هَمّاً أساسياً. ليأتي اليوم، ومع انخفاض الوزن التدريجي للكيان الصهيوني في المنطقة بسبب زوال دورها الوظيفي كراع أساسي لمصالح الولايات المتحدة والامبريالية العالمية في الشرق، هناك من يقول: إن مقاومة «الكيان الاسرائيلي» لا جدوى منها وأن هذا هو وقت التنازل والتسويات لأن لا حل سواه، إن عدم رؤية الواقع الحالي بكليته –زوال الدور «الاسرائيلي» وبالتالي انعدام مبرر وجودها الوظيفي- يصبح من مميزات أولئك المثقفين، ويصبحون بيدين عن نبض الناس، الذي يتفاعل مع اليومي (رغم تبايناته وصعوده وهبوطه) ذاك النبض الذي يتوصل إلى ما هو في مصلحته إلى حد كبير رغم غياب دور الأحزاب في المنطقة ككل.

إن وجود الأطر الوظيفية القادرة على رفع وعي الكتلة الأساسية من الناس –متمثلة في الأحزاب السياسية- تلك القادرة على تأطير الوعي ليكون عاملاً في الاتجاه الصحيح لحركة التاريخ، يمكن أن يساعد أولئك المثقفين المهزومين الذين لا يمكنهم إلا أن يروا الأسوأ في الأزمة السورية، وأن لا أمل في بناء هوية ثقافية في سورية ما بعد الحرب.

حان الوقت بعد مرور حوالي ستة عشر عاماً على بدء الصعود، وعودة الناس إلى حركتها الطبيعية القادرة على التغيير، لكي يشعر أولئك الخائفين بأنهم يمكنهم أن يثقوا بالمستقبل، الذي تصنعه أيديهم، وأيدي أصحاب المصالح الحقيقية.

إن البعبع الأميركي يعترف بهزيمته، فماذا تنتظرون؟

حان وقت الخروج من تحت غطاء الطاعة: طاعة المستبد وطاعة الممول، طاعة كبت الكلام، وكبت الأفعال، بل حتى وكبت النوايا.

تمت قرائته 1440 مرة