فرنسا والمسلمون: هل هي حقاً «مشكلة اندماج»؟

طالعتنا شبكة BBC البريطانية يوم 31 تشرين الأول الماضي بعنوان مثير للقاء أجرته مع الكاتب والروائي الفرنسي- المغربي الطاهر بن جلون.. يقول العنوان: (الطاهر بن جلون: مسلمو فرنسا فشلوا في الاندماج)

ربما تكفي هذه الجملة المقتطعة من سياقها لشن حملة شعواء على الروائي، بوصفه أحد ركاب القطار الذي يستقله أمثال أمين معلوف، والذي لم «ينتبه» كثيرون أية وجهة يبغي حتى (أشربهم إياها معلوف بالملعقة) لدى ظهوره في مقابلة على تلفزيون صهيوني.

إن العودة إلى سياق المقابلة، سيظهر أنّ الجملة المشار إليها لم تقتطع من سياقها فحسب، بل وتم تحميلها معنى معاكساً تماماً لما أراده الرجل! فإلى جانب أنّ لغته الخطابية ركيكة بعض الشيء، لا شك أنّ حياةً طويلة في فرنسا واستخداماً مستمراً للفرنسية لن يمر دون أثر على اللغة الأصلية، خاصة وأنّ بن جلّون يؤلف رواياته وأشعاره بالفرنسية.

وبالإضافة إلى هذه المسألةـ فإنّ الجملة اقتطعت من موضع تلا حديث الكاتب عن سوء سلوك الحكومات الفرنسية المتعاقبة مع الفرنسيين المسلمين، ما يعني أنّه كان يقصد تحميل مسؤولية «عدم الاندماج» للحكومات الفرنسية، وليس للمسلمين كما تشي الجملة المقتطعة. وفي الأحوال كلها، ليس جديداً على BBC هذا النوع من التحايل.

قد يبدو مما تقدم أننا سنلتزم هنا صف الدفاع عن بن جلّون، ولكنّ الواقع أنّنا لسنا بوارد الدفاع عنه أو الهجوم عليه أو تقييمه، فعدا عن أن تقييم مشروع كمشروع بن جلّون مسألة صعبة ومعقدة تستحق الوقوف عندها بلا شك، فإنّ ما نحاول التركيز عليه هنا هو جانب محدد ضمن طريقة تفكيره يشترك فيه مع آخرين غيره. ومما يعبر عن ذلك الجانب، هي: مطالبته المتكررة لمسلمي فرنسا بالتظاهر بعد كل حدث إرهابي يضربها للتعبير عن رفضهم لذلك العمل، وهي الدعوة التي كررها في مقابلته المشار إليها.

وبما أنّ ما نحن بصدده هو: تقييم جانب جزئي محدد لا تجربة بأكملها، فإنّ العبارة التي وردت على لسانه وحرفتها «بي بي سي»، والتي يريد بها تحميل السلطات الفرنسية المسؤولية، قد تسمح لنا بافتراض حسن النية في مناقشة فكرته عن الاندماج، وضمناً مطالبته لمسلمي فرنسا بالتظاهر ضد الإرهاب. على أنّ حسن النية هذا دونه مطبات عديدة، كحصوله على جائزة غونكور الفرنسية، وتوشيح ساركوزي له بوسام الشرف من رتبة ضابط، وحديثه العلني عن تعاونه مع وزير الدفاع الفرنسي بغرض العمل على دمج المسلمين، كما ترؤسه جمعية ترعاها الدولة الفرنسية للمسلمين الفرنسيين..

أياً يكن الأمر، «فلندخل التجربة دون أن نهاب الشرير»، ولنفترض أنّ مسلمي فرنسا نزلوا الساحات معبرين عن رفضهم للإرهاب. لابد أنّ لفعل من هذا النوع تأثيره في الضغط على الرأي العام الفرنسي وتأريض بعض شحناته العنصرية. ولكن حتى لو حدث ذلك، ألا يستطيع الإعلام الفرنسي والغربي عموماً أن يقلب المشهد بترويج كثيف لـ«جريمة شرف» ارتكبت في إحدى الضواحي الفرنسية؟ أو بوثائقي قصير عن كيفية تجنيد داعش أو سواها لشبان فرنسيين مسلمين؟ وغيرها من الوسائل التي لا حصر لها؟

سيقول قائل محقاً: وهل يعني ذلك الاستسلام للطريقة التي تجري بها صناعة وعي الفرنسيين؟ بالطبع لا. لكن «القربة إياها مقطوعة»، والنفخ فيها بلا طائل.. فطالما يجري الحديث عن «اندماج» إسلامي ضمن مجتمع «غير إسلامي» فإنّ الإبل سترد دماً لا ماءً! لماذا؟

هنالك حقاً مشكلة «اندماج»، وليس علمياً رفض وجودها. ولكن فلنقف لحظة لنسأل: من هم غير المندمجين؟ وما الذي يعنيه عدم الاندماج؟ أليس عدم الاندماج مرادفاً ممسوخاً لتعبير التهميش؟ التهميش بما يتضمنه من معانٍ اقتصادية واجتماعية وثقافية؟

وفقاً لهذا الفهم، فإنّ «غير المندمجين» ضمن المجتمع الفرنسي ليسوا مسلمين فقط، وليس عرباً أو أفارقة فقط، بل هم شريحة طبقية واسعة الانتشار يوحدها التهميش ويفرقها «عدم الاندماج» بصيغته (الدينية- الحضارية) التي يحلو للبعض إعلاء شأنها فوق كل شيء.

فلننظر المثال الأمريكي، (البيض والسود)، ألم يغدُ الأسود بطلاً أوحداً في حالات كثيرة لآلاف الأفلام الهوليودية، وألم يغدُ بطل ملاكمة عالمياً، ولاعب سلة محترفاً، ومغني راب شهيراً، بل وحتى رئيساً! ولكن هل «اندمج» السود؟ ها هي أحداث كارولاينا وغيرها تعيد التذكير بواقع الحال، والأهم أنّ الأرقام الاقتصادية تعيد التأكيد أنّ شريحة المهمشين لا تكف عن الاتساع، حتى وإن كانت نسبة كبيرة ضمنها هي من السود، إلا أنّ شركاء هؤلاء في البؤس هم من البيض، والآخرون الذين يقفون ضمن حدود ما يسمى «طبقة وسطى»، هم أيضاً مهمشون وإن بصورة أقل، ويتهددهم اليوم تهميش أشد..

إنّ محاولات إعادة تفسير الوقائع المختلفة، انطلاقاً من الأفكار وحدها، انطلاقاً من النصوص والعقائد و«الهويات» (هذه الكلمة السمجة التي باتت مدخلاً لتفريق المهمشين والمظلومين في الوقت الذي تزعم فيه الانتصار لهم)، إنّ هذه المحاولات كلّها تصب في طاحون الظلمة..

ربما بين النتائج التي يمكن للمرء تسجيلها في الزمن المفصلي والقاسي الذي نعيشه، هي أنّ فترات كهذه لا تحتمل أفكاراً بين بين، فالأفكار إما ثورية وإما رجعية، بالأخص تلك الأفكار التي تزعم انتصارها للمظلومين ووقوفها في صفهم، في حين أن مفاعيلها وتطبيقاتها تصب حقيقة في شرذمتهم وتجنيدهم أعداءً لبعضهم البعض..

وهل نحكم على بن جلون بهذا الحديث؟ ذلك أقل ما في المسألة أهمية..

تمت قرائته 811 مرة