_
«وهيك فات عقلوبهن... وما عاد طلع منها»

«وهيك فات عقلوبهن... وما عاد طلع منها»

ثمة من لا يمكن أن يرحل عن أرواحنا، ثمة من يسكننا، ويهيمن حضوره على أوقاتنا، ويزين إبداعه صباحاتنا، ثمة من يلون أيامنا الطويلة بالأمل، يهمس في آذاننا لحناً وكلمات، كلما حاولنا التعبير عن فكرة، أو ألم أو فرح يلم بنا، يختزل ما نريد قوله بلغة العالم «الموسيقى»، ويتسلل إلى أعماقنا، فنصبح أكثر فهماً ووضوحاً.

رجل نزق وقلق، رجل يملؤه الإحساس، يحوّل كل ما يلمسه أو يراه إلى أغنيات ومسرحيات، هكذا وصفه المقربون منه، عاصي الرحباني الذي رحل في 21 حزيران عام 1986 في بيروت، استطاع من خلال الصوت واللحن والكلمة والمخيلة المفتوحة على الأفق، أن يترك بصمته على المستوى الفني والسياسي، ويحفر عميقاً في وجدان الناس وتشكيل ظاهرة في تاريخ الفن، الموسيقى والمسرح تحديداً.

لا تُختزل الظاهرة الرحبانية في التجربة الفنية والموسيقية للأخوين رحباني وفيروز فقط، بل تعبر عن حالة هامة، ربطت الفن سواء كان شعراً أو صوتاً أو غناء أو موسيقى، بالصفات والخصائص الوطنية، والتعبير عن موقف سياسي تجاه القضايا العامة، فقد استطاع عاصي والرحابنة تحقيق أغنية خاصة، لها صفاتها ونكهتها الخاصة التي تمتاز بها عن بقية أنواع الغناء، فمن ناحية تمكن عاصي أن يرسم عبر هذه الأغنية والشعر، مع صوت فيروز، صفات وخصائص لبنان كوطن، ومن ناحية ثانية ارتبطت هذه الأغنية بحياة الناس وعبرت عن تفاصيلهم، والتقطت لحظات الفرح والأسى والغضب والأحلام غير المكتملة، ودخلت بعمق ووعي إلى وجدان الناس الذين سمعوه وأحبوه، لأنه لامس قلوبهم ومشاعرهم ببساطة واحترم عقولهم، «وهيك فات عقلوبهن ببساطة وما عاد طلع منها» كما تقول السيدة فيروز.    

لم يكن هذا النوع من الفن بحاجة إلى التحليلات والشروحات ليفهمه الناس ويتفاعلوا معه، ولتخرج الظاهرة الرحباينة من الإطار الضيق الذي بدأت فيه وتتحول إلى ظاهرة واسعة وهامة على المستوى العربي وربما العالمي.

رسم عاصي في أعماله المسرحية وأفلامه أيضاً وطناً متخيلاً، نموذجاً اختزله على المسرح، وقرية يتصارع فيها الخير والشر، وأبدع في رواية قصص حبّ لا تنتهي، وطفولة منسيّة «على سطح الجيران»، و«محطة» للحلم والأمل، وجعلنا نفهم كيف تتحول الكذبة إلى رجل اسمه راجح، وكيف ينشر «الغريب الذعر في وعينا، حيث تغيّرت أسماء السماسرة والقتلة والطغاة، وتعاقب المخاتير ورؤساء البلديّات، وما زالت السيارة «مش عم تمشي» رغم كثرة «الدفشات».. رسم عاصي الدهشة فينا من خلال شخوص نعرفها، وعجنها بمخزونه وتأثراته وأظهر عبرها أحاسيس الناس ومخيلاتهم ورغباتهم، كان عاصي واحداً من الفنّانين القلائل الذين صاغوا الوجدان الشعبي والثقافة الوطنيّة.

«إلى عاصي»

بدأ زياد الرحباني عام 1988 العمل على إعادة توزيع 17 أغنية ومقطوعة موسيقية واحدة «جسر القمر» (التي تفتتح الأسطوانة وتختتمها، بتوزيعَين مختلفَين) من ألحان الأخوين رحباني لإنجاز «إلى عاصي». استمر العمل على الألبوم بين اليونان وبيروت حتى عام 1995. نفّذت «الأوركسترا السمفونية للإذاعة الرسمية اليونانية» التسجيل بقيادة زياد الذي أضاف عزفه على عدّة آلات، على رأسها البزُق والبيانو. وصدر «إلى عاصي» عام 1995 على CD وكاسيت. وكان من الأهمية بمكان الحفاظ على الروح الظليلة لمعاني القطع الأصلية وأزمنتها وإيقاعاتها الداخلية ومراميها الفنية والثقافية التي عمل زياد على تسجيلها (ما يقارب من عشرين أغنية مختارة من أرشيف عاصي وفيروز). 

في استعادة الذكرى الثلاثين لرحيل عاصي الرحباني والتي تتزامن مع الاحتفال بـ«عيد الموسيقى» الذي يصادف اليوم نفسه. استعادة لما تمثله الظاهرة الرحبانية، ومحاولة للتمسك بالثوابت التي آمن بها وأبدع في تحويلها إلى فن، ودافع عنها.