_
على الهامش؟

على الهامش؟

طال التهميش جوانب هامة في الحياة الاقتصادية الاجتماعية والسياسية، وأماكن عديدة كان تأثيره فيها شديداً، وسبب إضافة إلى نتائجه المباشرة المعقدة حالة من الضحالة في المجتمع والثقافة. لم يكن الناس سبباً فيها، بقدر ما كانوا ضحاياها، وفي هذا السياق، تستحضر الذاكرة ومضات تستحق الوقوف عندها، منها ما يتعلق بأفراد ومنها ما يتعلق بالمتلقي، والحديث يدور هنا عمّا قبل الأزمة.. أمّا أثناءها وبعدها فحديث آخر.

لغة سُكّر وسط!

في محاضرة بالمركز الثقافي في دير الزور للروائي الراحل عبد الرحمن منيف عن الرواية التاريخية قال: «أنا أستخدم لغةً وسطاً لا هي بالعربية المقعرة، ولا هي بالعامية البسيطة»، فانبرى له أحد القوميين المتعصبين قائلاً بانفعال: «نحن لا نقبل إلا باستخدام اللغة العربية الفصحى فهي لغة القرآن الكريم!» فأجابه الراحل: «من عادتي ألاّ أرد على المنفعلين، لكن ما رأيك أن في القرآن الكريم ألفاظاً أعجمية؟»، فغادر القومي المتعصب قبل أن يسمع بقية الإجابة!؟

تكبير.!

عندما جاء أحد كبار رجال الدين المدعومين والمحسوبين على السلطة من العاصمة دمشق، تحدث كثيراً عن الفكر الديني(التغييبي)، فقام أحد الحضور وطلب منه التحدث عن معاناة الناس الاقتصادية الاجتماعية، فما كان من هذا الشيخ ليغطي عجزه وتهربه إلا أن صرخ بالجمهور، قولوا معي: «الله أكبر.. الله أكبر»!

مشاغبة وإلغاء.!

حضر د. قدري جميل لإلقاء محاضرة في المركز الثقافي، ورفضت القيادة السياسية آنذاك إعطاء الصالة الرئيسية تحت حجج واهية، واستبدلت بقاعة صغيرة اضطر معها المضيفون لاستئجار كراسي للحضور، وقام أحد المشاغبين بافتعال ملاسنة مع أحد المداخلين للتشويش، هذا في المرة الأولى، أما في المرة الثانية فقد قام المحافظ بإلغاء ومنع المحاضرة المقررة له قبل ساعات من موعدها دون إعلان، ففوجئ الحضور عند وصولهم!

البحار الخمس.!

عندما يأتي محاضر ما إلى دير الزور، غالباً ما يفضل التوجه أولاً إلى المركز الثقافي في مدينة موحسن، لنوعية المناقشات ومستواها، وهي مؤشر. في إحدى المرات جاء أحدهم من دمشق ليروج لنظرية البحار الخمس والانفتاح وخاصةً العلاقات مع تركيا، طبعاً وكالعادة حضر كبار المسؤولين في المحافظة، وكانت من جملة المداخلات مداخلة مراسل قاسيون التي بينت خطورة ما يروج له، ليس على الاقتصاد، وإنما على الوطن، في اليوم التالي كان الحضور قليلاً في المركز الثقافي في دير الزور! فملأوا المركز بالشبيبة والاتحاد الوطني للطلبة وطلاب الثانوي، فما كان من أحد المسؤولين السياسيين إلا أن قال: «لماذا عندما يأتي محاضر شيوعي يمتلئ المركز بالجمهور، وعندما يأتي أحد رفاقنا يكون قليلاً؟».

امكَبعة.!

في أمسيةٍ شعرية للشاعر العراقي مظفر النواب، امتلأت قاعة المركز وكان الجمهور خارجها أكثر بكثير، وكعادته أشعل مظفر القاعة بالحماس سواء بقصائده أو بإلقائه، وطالبه الجمهور بقصيدة (امكبعة) أي لبس المرأة للعباءة، وهي تتناول موقف أم توزع مناشير الحزب الشيوعي، فقام عناصر الأمن بإخراجه عنوةً من القاعة!

تكريم!

في أمسيتين متباعدتين جرى تكريم للمطرب الفراتي ذياب مشهور الذي بكى وهو يرى تقدير الجمهور له، وكذلك تفاعل الجمهور أثناء تكريم المطرب الفراتي نبيل الأغا قبل رحيله، وهذا يبين مدى اهتمام الناس، وتفاعلهم مع ما يقدم، خاصة ذلك الجزء المتعلق بالتراث!

هل الجمهور عايز كِده؟

حضرت فرقة موسيقية لعازفين من عدة بلدان، وقدمت موسيقى الجاز لمقطوعاتٍ وأغان من مناطق عديدة كأرمينية وغيرها، وكان الحضور كبيراً، وأتقن فن الاستماع، وتفاعل مع كل مقطوعة مما فاجأ العازفين! وأثبت بطلان مقولة: «الجمهور عايز كِده» باللهجة المصرية التي تروج لكل رديء، والتي يروج لها مدعو الثقافة!

ترى هل سيقبل الجمهور في سورية القادمة التعددية الديمقراطية باستمرار أساليب التهميش والممارسات السابقة، أم أن زمنها ولّى!

آخر تعديل على الخميس, 31 آذار/مارس 2016 11:12