_
التكنولوجيا والزواج

التكنولوجيا والزواج

شهد عالم الاتصال والمعرفة تغيّراً كبيراً في العقدين الأخيرين، أدى إلى دخول الإنترنت إلى كل بيت وكل يد، حيث تكاد لا تجد منزلاً أو شخصاً لا يمتلك القدرة على الوصول إلى «الشبكة العنكبوتية»، في كل مكان وفي كل لحظة. وتأثرت العلاقات والاتصال الإنساني في شكل كبير بهذا التغيّر الهائل، سواء علاقات العمل أم العلاقات الاجتماعية الأخرى كالعلاقات الأسرية والصداقة وغيرها. وكما هي الحال في كل شيء جديد يدخل حياة المجتمعات والأفراد، فإن تقدير تأثير هذه الوسائل في العلاقات يُعتبر مجال جدل كبير ومتشّعب، وهناك من يراه مؤثراً سلبياً ومن يراه إيجابياً، بينما ينظر الخبراء إلى الأمر بما تراه الأرقام والمشاهدات المهنيّة، وبما يرتبط بالخصائص النفسية والشخصية والاجتماعية لكل فرد أو مجتمع.

يقول سامر، الأستاذ الجامعي الأربعيني، أن دخول وسائل التواصل الاجتماعي والأجهزة الإلكترونية إلى حياتنا، حوّل الزواج إلى علاقة صامتة. ويتابع: «بطبعي لا أحب التواصل الإلكتروني، وأستخدمه في الحدّ الأدنى، وأستخدم فقط تطبيق الواتساب لاستلام الرسائل وإرسالها. بدأت زوجتي مع الوقت تتحوّل إلى شخص مُدمن على الأجهزة الإلكترونية، ووسائل التواصل الاجتماعي، تحافظ على المشاركة الدائمة فيها، وتتبادل الأحاديث والمشاركات، وحتى حضورها مع أطفالنا صار شكلياً إلى حدّ كبير، لم نعد أسرة كما كنا سابقاً.

يشبّه خبراء نفسيون، الحاجات التي تقوم عليها العلاقات إلى حد كبير، بالحاجات النفسية الخاصة بالفرد، حيث تقوم العلاقات على مجموعة من الحاجات الأساسية، هي الحاجة إلى الارتباط أو التعلّق الآمن، وهي حاجة تبدأ منذ بداية العلاقة، حيث يحتاج كل طرف إلى الشعور بالأمان مع الطرف الآخر، وبأنه يعيش علاقة تتصف بالديمومة والاستقرار، وأنها لن تتعرّض للانهيار المفاجئ، وأن كل طرف فيها يمثّل الشريك الآمِن، للطرف الآخر، ويمكنه الاعتماد عليه، والتأكّد من وجوده. إن فقدان الشريك الشعور بالأمان في العلاقة يؤدّي إلى مصاعب كبيرة، على الصعيد النفسي بسبب شعوره بالحاجة الدائمة الى الاطمئنان والتأكّد من ديمومة العلاقة. إضافة إلى مصاعب في العلاقة الجسدية تحديداً، حيث يفقد الشريك اهتمامه بهذه العلاقة وتصبح عبئاً وظيفياً على كاهله، أو يصبح متطلّباً جداً على الصعيد الجسدي ليعوّض شعوره بعدم الأمان، وكلاهما أمران غير مُريحين.

والحاجة الثانية هي الحاجة إلى الشعور بالتحكّم، أو السيطرة على الأمور في العلاقة، والمقصود بذلك ليس السيطرة السلبية، والتحكّم بالشريك، وإنما الشعور بأن الأمور في العلاقة تجري في شكل جديد، ومنظّم، فهناك حب واحترام وتواصل منفتح وصحي بين الطرفين، ومساواة في الحقوق وعدل في الواجبات، يجعل كل طرف يشعر بأن هذه العلاقة مفهومة وواضحة وعادلة، وتسير كما يجب.

أما الحاجة الثالثة فهي الحاجة إلى التقدير والاحترام، والشعور بتقدير الذات والكرامة في هذه العلاقة، ويأتي هذا من تقدير الشريك مساهمات الشريك الآخر وجهوده، والاعتراف بدوره وأهمية هذا الدور، وعدم الحطّ من قدره، أو من أهمية اهتماماته أو دوره، وعدم تعريضه للنقد أو التجريح أو التنكّر لمساهماته في المسؤولية، واتخاذ قرارات أحادية، وعدم إشراكه في اختيار أو اتخاذ قرارات في شكل متعمّد ومقصود. إن الانتقاد الدائم، وعدم التقدير، يعتبران مقتلاً خطيراً لأي علاقة، ويساهمان في تدميرها من العمق.

وأخيراً، الحاجة إلى الشعور بالمتعة القصوى، أي أكثر من شعور الشريكين بالمتعة في أي مكان أو علاقات أخرى، والتقليل من التوتر والصراعات داخل العلاقة، حتى تلك التي تنشأ وتنتهي من دون صراخ أو نقاش، أو معالجة، والتي تهدم العلاقة من دون أن يشعر الطرفان أو أحدهما بذلك. فالعلاقات التي لا تحقق المتعة النفسية والجسدية والاجتماعية في الحدّ الذي يمثل اكتفاء واستغناء صحياً معتدلاً لطرفي العلاقة، ولا يتم حل الصراعات الصامتة فيها، هي علاقات مُهددة أو ناقصة، لا تقوم على تحقيق الإشباع العاطفي والنفسي المطلوب.

تقوم فكرة الارتباط العاطفي بين شخصين على محاولة أو اعتقاد أساسي، أن هذه العلاقة ستقدّم لهما الدعم النفسي والعاطفي والاجتماعي، الذي يضمن تحقيق الحاجات الأساسية لكل طرف، وتكوين رابطة صحية وثيقة، قادرة على التعامل مع التحدّيات وتمتلك مقوّمات التماسك والاستمرار. وحين لا تحقق العلاقة ذلك فإنها تُسمى علاقة مُختلة أو غير وظيفة Dysfunctional، فهي لا تقوم بالوظائف المنوطة بها.