_
«الحق في النسيان» يعاود الظهور مع إشكالية «فايسبوك»

«الحق في النسيان» يعاود الظهور مع إشكالية «فايسبوك»

الأرجح أن فضيحة «فايسبوك» الأخيرة أعطت زخماً لنقاشات قويّة عن علاقة الجمهور وبياناته الشخصية وحياته الحميمة وحرياته الفردية من جهة، والدور المتصاعد لـ «سوشال ميديا» في الحياة اليومية المعاصرة. ومن المؤسف الاستهلال بالقول إن معظم العرب «نجحوا» في وضع طين صلب في آذانهم كي لا يسمعوا تلك النقاشات، وأسدلوا على عيونهم ستارة التجاهل كي لا يتقصوا آثارها في واقع عيشهم ومجتمعاتهم.

في الغرب، رافقت أشياء كثيرة النقاش عن فشل «فايسبوك» في حماية بيانات عشرات الملايين من جمهوره عن أيدي شركة «كامبرديج آناليتكا» التي استغلته للتأثير في مسارات انتخابات شتى. وفي تلك الأجواء، تجدد النقاش عن قضية «الحق في النسيان» التي تعني حق الأفراد في الحصول على محو نهائي لملفاتهم (بالأحرى ما يختارونه منها) عن الإنترنت، مع ما تتضمنه من نصوص وصور وأشرطة وتعليقات وغيرها.

وفي منتصف نيسان (إبريل) 2018، كسب رجل أعمال بريطاني قضية ضد «غوغل» تتعلق بـ «الحق في النسيان»، فصار من حقه حذف بياناته من خوادم «غوغل»، فلا يعود ممكناً أن تظهر عبر عمليات البحث. ويتصل الملف الذي دخل غياهب النسيان، بأن الرجل خطط لاعتراض شبكة اتصالات، فحكم بالسجن عشرة أعوام، ثم خرج مُبرَّأً بعد أن قضى ستة شهور منها.

في المقابل، رفضت المحكمة البريطانية عينها إعطاء «الحق في النسيان» إلى رجل طلب حذف ملف عن جريمة تزوير حساب في البنك. ولفتت المحكمة إلى أن بقاء الملف يخدم مصلحة عامة، بمعنى الوقاية من ظهور الرجل بمظهر البريء ما يمكنه من تكرار فعلته أو ما يشبهها.

ورحب «غوغل» بالحكمين معاً، مشيراً إلى أنهما يؤكدان أن الالتزام بـ «الحق في النسيان» يجب ألا يتعارض مع حماية المصلحة العامة للناس.

كي لا يصبح الزمن تهمة

ماذا لو كان شخص ما من مؤيّدي إسامة بن لادن في مراهقته، ثم غيّر رأيه في جهاديّته المزعومة وإسلامويّته الإرهابية؟ كيف تتصرّف السلطات في الأرض معه، إذا كان الـ «تايم لاين» Time Line على صفحتة في «فايسبوك» يرفض أن ينسى كلماته (بل صوره وأشرطته) المؤيّدة لبن لادن؟ ربما بدت الأسئلة السابقة مجرد أسئلة خياليّة ووهمية، ولعلها تصبح حرّاقة في ظل الأبعاد التي حرّكتها نيران متنوعة تشمل ظاهرة «الأخبار الكاذبة»، والتلاعب بآراء الجمهور عبر التدخل إلكترونياً في الـ «سوشال ميديا»، ومجريات الحرب على الإرهاب في الفضاء الافتراضي.

في صيف الانتخابات الرئاسية الأميركية التي كسبها دونالد ترامب، استطاع الأخير أن يرغم «فايسبوك» على حذف صفحات تتضمن أخباراً وقصصاً عنه أثبت أنها ملفقة. إذا كان يحق لـ «فايسبوك» أن يمحو من ذاكرة الإنترنت صفحات ومحتويات تبنّاها ذات مرَّة قبل أن يحذفها تحت ظروف معيّنة، لم لا يحق للأفراد حقوقاً مماثلة؟ أليس من حق الفرد أن يتغيّر عبر الزمن، فلم يكون محتّماً عليه حمل أعباء ما كانه، حتى بعد أن كفّ عن كونه كذلك؟

عبر تلك الأسئلة ما يوازيها، تتصل مساحات بين ترامب و «داعش» و «القاعدة» من جهة، ومسألة «الحق في النسيان» التي انداحت دوائرها في الفترة الأخيرة، بل تحوّلت حواراً حامياً عن حقوق الإنسان الرقميّة في الأزمنة الحديثة.

لا يتردّد كثير من نشطاء الحقوق الإلكترونيّة في القول صراحة إن الأفراد يجب أن يمتلكوا الحق في الحذف والنسيان. ويرى هؤلاء أن الناس يجب أن يكونوا قادرين على القول لكل شركة أوكلوا إليها بياناتهم: «نحن نغادرك. نرجو حذف كل البيانات المتعلّقة بنا». وكذلك يجب أن يستطيع الفرد القول لسماسرة المعلومات والبيانات: «لست منتجاً بيدك. أنا لم أعطك أبداً الإذن بجمع معلومات عني وبيعها للآخرين. أريد إخراج بياناتي من قاعدة بياناتك».

الاتحاد الأوروبي يجتهد

في السنوات الأخيرة، بذل الاتّحاد الأوروبي جهوداً كبيرة لصوغ قوانين متنوعة تتصل بـ «الحق في النسيان». في العام 2014، قضت «محكمة العدل الأوروبيّة» بأنه في بعض الأحيان، يتوجّب على محرّكات البحث أن تحذف معلومات عن أفراد، من نتائج عمليات البحث فيها. أدّى ذلك إلى تدفّق سيول من الناس على «غوغل» طالبين حذف نتائج بحث لا تعبّر عنهم بدقة، وشملت صفوف هؤلاء سياسيّين وأطباء والميّالين إلى الأطفال جنسيّاً.

من المستطاع إثارة نقاش عن خصوصيّات تلك الحالات، وإذا ما كانت المحكمة توصّلت إلى التوازن الصحيح، لكن يبقى أن ذلك حق مهم للمواطنين يتعلق ببياناتهم التي تستفيد الشركات منها.

واستطراداً، الأرجح أن الرواج الكبير لموقع «سناب شات» SnapChat الذي يسمح بحذف محتوى التغريدات والرسائل بما لا يزيد على 24 ساعة، يؤشّر أيضاً إلى الميل الكامن (أو الظاهر) لـ «الحق في النسيان»، وهو الأمر الذي تأكد في 2018 عبر الأحكام المشار إليها آنفاً.

ماهي الحقوق التي يملكها الفرد في أنواع البيانات والمعلومات الهائلة التي تختزنها شبكة الإنترنت عنه؟ في الوضع الحاضر، كل تلك البيانات موضوعة على الطاولة. هناك أنواع من البيانات تحتفظ بخصوصيّتها دوماً، بعضها يمكن جعله خصوصيّاً، وبعضها يبقى عموميّاً دوماً. من المستطاع تعديل بعض البيانات أو حذفها على «فايسبوك» و «تويتر» اللتين تجاوبت تدريجياً مع ضغوط الجمهور، لكن بصورة نسبيّة وغير واضحة، لكن يستعصي بعضها على ذلك.

تقدّم بعض المنصّات إمكانات مختلفة في تقييد من يطّلع على بيانات اتّصالات مستخدميها. ووصولاً إلى العام 2011، كان «فايسبوك» يتيح للجمهور إمكان تقييد من يطّلعون على تدويناته، بمعنى اقتصار ذلك على أصدقائك أو إتاحتها للعموم. وعند تلك النقطة من الزمن، كان «فايسبوك» يسمح بالتحكّم بمجموعة الأصدقاء ومدى اطلاعهم على التدوينات.

وكذلك تنقسم تغريدات «تويتر» بين ما يوجّه إلى أشخاص بعينهم، وما يعلن على الملأ. من الممكن جعل تدوينات «إنستغرام» سريّة، أو مقروءة من أشخاص بعينهم، أو معلنة للعموم. وتمنح صفحات موقع «بينترست» إمكان جعلها معلنة أو سريّة.

من المهم وضع معايير لتلك الأمور. في العام 2012، أصدر «البيت الأبيض» ما يعرف باسم «وثيقة حقوق الخصوصيّة للمستهلك». في 2014، أوصت لجنة مراجعة رئاسيّة عن الخصوصيّة و «البيانات الضخمة»، بجعل تلك الوثيقة أساساً في التشريع. وتشمل تلك الوثيقة أشياء كتحكّم الأفراد في بياناتهم الشخصيّة، واحترام مبدأ الشفافيّة، والتنبّه لمسألة الحق في الوصول ودقة المعلومات المخزّنة عن الفرد، وأخيراً وجود ثقة في شكل واضح بين الجمهور وشركات المعلوماتية والاتصالات والإنترنت، التي تخزّن أطناناً من المعلومات عنه. وتحتاج تلك الأمور إلى نقاشات واسعة، الأرجح أن لا يتردد صداها في دنيا العرب!