_
النقاش السام يخفي الحقائق الموضوعيّة
ساينتفيك أميركان ساينتفيك أميركان

النقاش السام يخفي الحقائق الموضوعيّة

نشر موقع «ساينتفيك أميركان» مقالاً لعدّة باحثين يتناول أنواع النقاش، وبدأ هكذا:

تعريب وإعداد: هاجر تمام

«في اللحظة الحاسمة من المناظرة الرئاسيّة بين كلينتون وترامب، ردّ ترامب على السؤال المتعلّق بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين قائلاً: [إنّه لا يملك أدنى احترام لها] مشيراً إلى هيلاري كلينتون وتابع: [إنّ بوتين كما أرى لا يحترم هذا الشخص على الإطلاق]. ثمّ حاول المتناظران أن يفهما أقوالهما أكثر بأنّ يلقيا الضوء على سياسات بعضهما البعض أكثر، فقالت كلينتون: [هل ترى بأنّ النهج العنيف الذي أنوي أخذه لن يردع التوسّع الروسي؟] فردّ ترامب: [بل أرى بأنّه سيردع التوسّع الروسي، ولكنّه سوف يؤدي إلى زعزعة استقرار...] ... لكنّ هذا الأمر مزحة، فهما لم يقولا ذلك على الإطلاق. إنّ ما حدث في الحقيقة أنّ كلينتون ردّت عليه قائلة: [هذا لأنّه يفضّل أن يرى رئيساً أضحوكة للولايات المتحدة]، فردّ عليها ترامب: [أنت الأضحوكة] ...».

ويتحدّث المقال عن انتشار مثل هذا النقاش مؤخراً سواء في الأوساط السياسيّة أو عبر الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، وينوّه إلى أنّ نظرة على التعليقات على فيسبوك وتوتير ويوتيوب تكفي لمنحنا لمحة عن التنافسيّة التي تعصف بالخطاب السياسي. ويشير الباحثون لهذا النوع من الحديث باسم: «الجدال بهدف الفوز».

ويطرح المقال السؤال التالي: «ما الذي يدور في أذهاننا عندما نتناقش بطريقة تهدف ببساطة إلى هزيمة الخصم؟» ثمّ يقسّم المواضيع محلّ النقاش إلى عدّة أقسام: النقاش حول حقيقة يكون لها جواب واحد، مثل: «هل الجذر التربيعي للعدد 2197 هو 13 أم 14؟». والنقاش حول رأي ليس فيه صواب ولا خطأ، مثل «هل الخضار مع الجبنة شهيّة أم هي مثيرة للقرف؟». لكن ماذا عن النقاشات التي تكون جدليّة أكثر، مثل: «هل الإجهاض أمرٌ غير أخلاقي ولا يجب أن يكون قانونياً، أم أنّه أمرٌ عادي ويجب تشريعه؟».

ويتحدّث المقال عن أنّ الأبحاث عن هذا الأمر قد توسعت في السنوات الأخيرة إلى ما أبعد من مجال الفلسفة، لتدخل مجال العلوم الإدراكيّة والأبحاث النفسيّة، وجمع الأدلّة والبيانات التجريبيّة لفهم تفكير المتناقشين. فهل يميل الناس إلى التفكير في المسائل الأخلاقيّة والسياسيّة على أنّها أمور لها أجوبة موضوعيّة «Objectivists الموضوعيون» ثابتة؟ أم أنّهم يحملون نظرة أكثر نسبيّة «relativists النسبيون» لمثل هذه الأمور؟ ورغم أنّ من يملكون نظرة «موضوعية» تجاه الأمور يواجهون كلّ من يخالف آرائهم بأنّهم على خطأ، فربّما هذه «الموضوعيّة» ليست هي من تحدد تفاعلاتنا مع الناس الآخرين، بل ربّما طريقة تفاعلنا مع الآخرين هي من تحدد درجة وجهات النظر «الموضوعيّة» التي نحملها.

تمّ إجراء تجربة باستخدام مشاركين بالغين، بجعلهم يدخلون في نقاش سياسي على الإنترنت، بحيث يكون هناك عدّة مواضيع جدليّة، ومن ضمنها الحقّ بحمل السلاح وبالإجهاض، وذلك ليتناقشوا مع مشاركين آخرين يحملون وجهات نظر مختلفة.

تمّ تقسيم المشاركين إلى مجموعتين: قيل للمجموعة الأولى بأنّ الهدف من النقاش هو التفوّق على الخصم، وكانت النتيجة نسخة عن الجدالات التنافسيّة التي نراها في كلّ مكان على مواقع التواصل الاجتماعي، ومثالها: «-أنا أؤمن 100% في حقوق المرأة، -يجب منع الإجهاض لأنّه يوقف قلباً ينبض، -الإجهاض قانون أرضي وليس سماوي، وهي الأرض التي تعيش عليها، -ينبض القلب بعد 21 يوماً وما تطلبه جريمة...».

أمّا المجموعة الثانية فقيل لها بأن تحاول أن تخوض «جدالاً بغرض التعلّم»، وبأنّ هدف النقاش هو التعلّم من أجل الانتقال إلى نقاشات أعلى من خلال ما تعلموه. فكانت النتيجة مختلفة هذه المرّة، ومثالها: «-أؤمن بأنّ الإجهاض حقّ لجميع النساء. أفهم أنّ بعض الناس يطلبون بعض المحددات لسببها وزمن إجراءها، لكنّني أعتقد بأنّه يجب تحديد هذه الأمور بحيث لا تأخذ وقتاً طويلاً ولا تشكّل خطراً على الأم. –أظنّ بأنّ الحياة تبدأ منذ التقاء البيضة والنطفة، ولهذا أعتقد بأنّ الإجهاض يساوي ارتكاب جريمة. –أفهم تماماً وجهة نظرك، وأنا أعلم بأنّ [الحياة] تحدث من الناحية البيولوجيّة منذ الانفصال الخلوي الأول. لكنني لا أظنّ بأنّ هذه الحياة قد تقدمت بما يكفي لمنع عمليّة الإجهاض».

وتمّ بعدها سؤال المجموعتين فيما إن كانوا يعتقدون بأنّ وجهات نظرهم «موضوعيّة» مطلقة، فتبيّن بأنّ الذين تناقشوا بهدف التعلّم يرون بأنّ وجهات نظرهم نسبيّة وبأنّهم لا يعلمون إن كان هناك جواب موضوعي على الإطلاق. بينما بقي الذين تناقشوا بقصد التفوّق على آرائهم بوصفها صحيحة. وكما صاغها المقال: «السياق الاجتماعي للنقاش هو الذي جعل الناس يؤطرون الغاية من النقاش».