_
خرق جدار الأكاديميا والعلوم والديمقراطية المزيفة
محمد المعوش محمد المعوش

خرق جدار الأكاديميا والعلوم والديمقراطية المزيفة



قمع الرأي والوعي والتعبير، هو ميزة الرأسمالية الأساس لا العكس، إلا بما يتماشى مع فكرها، وإن «سمحت» بتظهير فكر نقيض لها إلا لتخدم بذلك ألاعيبها الفكرية لتشويهه وضربه. وليس بجديد أن العلم الرسمي والمجال الاكاديمي يعبران عن المعادلة المذكورة ولا يتفلتان منها.



توسع في ميدان التعليم والأكاديميا فرض مهمة جديدة أمام الإيديولوجيا الرأسمالية، في سياق مرحلة «النيوليبرالية» كما قبلها انتعش الميدان الأكاديمي لأسباب عدة أساسها توسع القطاع التعليمي في العالم نتيجة التنازلات النسبية التي أجبرت الرأسمالية على تقديمها في مجال تعليم يطال مختلف الفئات الاجتماعية، ولم يعد حكراً على فئة محددة.
هذا التوسع عنى أن قوى اجتماعية جديدة دخلت في سياق الميدان الفكري بمختلف أشكاله، وبالتالي كان من الضروري اتخاذ احتياطات وقيود صارمة للحد من تّعرف هذه القوى على منتج الفكر التقدمي تاريخياً، و«أخطرها» الماركسية.

شبكات نفعية
طال تغييب الماركسية متى أمكن ذلك، وطالها التشويه والتحريف متى كان من الضروري الإشارة إليها، ما جعل من الجيش الأكاديمي الواسع في العقود الماضية أداة جديدة لتثبيت الفكر الرأسمالي ونظرته للحياة. هذه الوظيفة لم تقم بشكل تلقائي فقط، بل عززتها شبكات نفعية، لا تنفصل عن الرشى الاجتماعية التي قدمتها الرأسمالية في سياق تنازلها التاريخي في القرن الماضي، لكبح هجوم وصعود القوى الاجتماعية الثورية وقتها.

العمال الذهنيون
العديد من الشبكات «الأكاديمية» والمعاهد والجامعات ومراكز البحث وغيرها من المؤسسات التي تعتبر إطاراً للانتاج العلمي والبحثي، تشكل كلها مراكز رشوة مبطنة، وأحيانا صريحة لتشكيل سياق البحث والتفكير لآلاف من الباحثين والعلماء والطلاب والأساتذة. السياق الذي يمكن من خلاله لهذا الجيش الكبير من العمال الذهنيين أن يجدوا لهم مدخولاً ما، عبر الالتزام بما يتم تمويله من قبل المراكز العلمية الرأسمالية، وعدم الالتزام يعني التعطل عن العمل.

الاصطفاء الفكري
آلية أخرى من «الاصطفاء» الفكري لهذا الجيش من العلماء والباحثين والطلاب يمكن أن تبدأ مبكراً في سياق العملية التعليمية نفسها، من خلال وضع معايير أُنتِجت مسبقاً لقمع تقدم أي رأي يتناقض مع السائد، وذلك من خلال رفض واضح وصريح من قبل الهيئة التعليمية، وخصوصاً في مجال العلوم الاجتماعية والإنسانية، لابحاث تشير مباشرة إلى الماركسية أو حتى إلى عناصر منها.
وتعمل الأدوات السابقة كعملية إنتاج متكاملة من ناحية القولبة الفكرية، ولاحقاً الحرمان من فرص العمل لمن يتعارض أو لا يسير في سياق ما حددته المؤسسات الرأسمالية العلمية من معايير تعميم فكر تأبيد الواقع وتشويه قوانينه.

مستوى آخر للقمع!
من يكتب ومن يقرأ؟ ولأن المنع المطلق في ميدان يمتاز بمرونة داخلية أساساً لا يمكن أن يحصل، وهذا التناقض في أن كون الفكر متحركاً في رؤوس الناس الذين ينتمون إلى واقع اجتماعي يوجه لهم خياراتهم الفكرية، وبالتالي لا يمكن أن ينصاع الجميع للقولبة والابتزاز المهني، فإن من يستطيع الفرار من التحطيم الفكري، ولاحقاً الاجتماعي، تتم محاصرته لاحقاً في معيار النشر والكتابة.
آلاف المجلات والدوريات العلمية حول العالم، لها معايير محددة لقبول أو رفض أيةِ مادة للنشر، وبالتالي فهي تشكل حائطاً آخر أمام الفكر النقيض، دون أن ننفي وجود استثناءات، ولكن بالمجمل ومقارنة مع كمية المجلات وحجم انتشارها والتسويق لها، كل ذلك يجعل من المساحة النقيضة الموجودة ذات تاثير ضعيف.

هل الجدار الأكاديمي أبدي؟
التناقضات المستعصية التجاوز في النظام الرأسمالي تضع الميدان العلمي أمام واقع جديد، أولاً: لأن صعوداً لمراكز علمية جديدة حول العالم تسير في سياق بديل عن الإمبريالية، وهنا يمكن تلمُّس مجلات روسية مثلاً بدأت في السنوات السابقة بالصدور باللغة الإنكليزية، فأحدى الصعوبات التي طالت عدم انتشار الأبحاث الروسية في عدة مجالات، كانت اللغة، وصعوبة قراءتها لغير الناطيقن بالروسية، مثلاً: مجلة الثقافة والتاريخ التي تنطلق من أرضية تاريخية للنظرية الثقافية التاريخية التي أسسها العالم السوفياتي فيغوتسكي. إضافة إلى تشكل مراكز بحثية في الدول الصاعدة، أو تلك المراكز التي كانت موجودة أصلاً في دول أخرى ترى أفقاً للبروز ملاقية الحاجة الاجتماعية التاريخية في العالم.

الديقراطية المزيفة
هذا السياق لا يعني أنّ كسر جدار العلم الرسمي، والديقراطية المزيفة للرأسمالية، ستتم بشكل تلقائي، بل يعني أنّ ادراك هذه المهمة ووعيها الصريح من قبل قوى مختلفة دولية واجتماعية  يفرض جهوداً لتحويلها إلى أطر عمل ومؤسسات مشتركة، لا يمكن أن يتم تشكل بديل علمي دونها.

حرية الاستغلال
أوقح اشكال الابتزاز والقمع، هي في هذا الميدان، كونها اكثر وضوحاً، كقول استاذ جامعي مثلاً: لطالب ما: إن الماركسية لا تصلح ولا أقبلها في النقاش. هكذا هي الديمقراطية الرأسمالية، افعل ما تشاء بـ«حرية» طالما أنك لا تتعارض مع الاستغلال والقتل الشامل، والجو القاتم الرأسمالي.