الأمراض والدواء في الوحدة والفصل!

يشكل قطاع الأمراض والدواء مؤشراً آخر على تياري الفصل والوحدة، وخصوصاً لعلاقته المباشرة بحياة الناس، على الرغم من أن أغلب الأبحاث حول الأمراض والدواء تقام على أساس منطق الانتقاء الطبيعي،  الذي يتحدث عن وحدة أصل الكائنات الحية، إلا أنّ الأبحاث العلمية أخذت منحيين أيضاً. منحى فصل بين الأمراض، نشوئها، وزوالها، وبين البيئة أو طريقة العيش. ومنحى آخر يربط إلى حد ما بين طريقة العيش ونشوء الأمراض.

إن الموضوع معقد أكثر من بساطة إمكانية بروز أمراض من وضع اجتماعي معين، فللجسم تعقيداته التي يجب أن نفهمها بيولوجياً بعلاقتها مع العامل النفسي قبل التطرق إلى الموضوع بتفاصيله. ولعدة عوامل أخرى غير نفسية أو اجتماعية تؤثر على الأمراض وعلى هشاشة جسم الإنسان في العديد من الحالات.

طريقة عيشنا «المتحضرة»
فيلهلم رايش، العالم النمساوي الذي أعلن تبنيه للماركسية، يمثل أحد المنحيين. فيربط رايش بين الوضع الاجتماعي والأمراض النفسية والجسدية التي تصيب الإنسان، ويعتبر أن «السرطان مرض متأثر بشكل حاسم بطريقة عيشنا «المتحضرة»» (1974). وكثيراً ما نقرأ من الأبحاث التي تصلنا حول السرطان عن تأثير عاداتنا الاجتماعية اليومية او طريقة استهلاكنا في انتشار او بروز السرطان. ولكن هذه الأبحاث تبقى مجزأةً، أي أنها تنسب بعض العوارض الاجتماعية لبروز الأمراض،، ولكن من دون أي تبرير أو ربط مع النظام الاجتماعي ككل- وللتحديد سنتحدث هنا عن السرطان- بل مع الإشارة إلى أن الفرد بشخصه هو المسؤول ذاتياً وهو من أوصل نفسه إلى حافة المرض باعتماده على نظام غذائي غير صحي أو بالتدخين مثلاً.

المسببات الخارجية
في دراسة نشرت في كتاب عام 2014، لعدة باحثين من عدة جامعات غربية حول السرطان وأسبابه وعن آخر الأبحاث، قُدِّر ارتفاع عدد الإصابة بمرض السرطان في الدول المتطورة بنسبة 300.1  لكل مئة ألف شخص، وبنسبة 160.3 لكل مئة الف شخص في الدول الأقل تطوراً خلال عام. (هذا الرقم متقارب جداً لنسبة الوفيات من السرطان في العالم بحسب منظمة الصحة العالمية، حسب إصدار للمنظمة عام 2014) تعود أسباب الارتفاع في معدلات الإصابة بالسرطان بحسب المرجعين إلى ما يطلق عليه تسمية المسببات الخارجية للسرطان، اي النظام الغذائي خاصة المشبع بالدهون، التدخين، والتعرض للإشعاعات على أنواعها.
الفرق بين هذه الدراسات التي غالباً ما تربط التدخين بالارتفاع الهائل بإصابات سرطان الرئة، مثلاً في الولايات المتحدة، وأبحاث رايش، إنها تعتبر طريقة العيش منفصلة عن النظام السائد، الذي أدى إليها. بينما رايش يربط طريقة العيش بالقمع الذي يعيشه الفرد من جوانب عدة في الحياة (نمط العيش، الغذاء، العلاقات، الصدمات) التي تؤدي إلى خلل في جهاز المناعة ما يسبب تخثراً للخلايا التي تصبح سرطانيةً لاحقاً.

الفصل والوحدة
نظرية رايش يمكن اعتمادها من العديد من جوانبها، إنما خللها أنها تعطي للعامل الجنسي المقموع الكفة الأرجح في الإصابة وفي العلاج من المرض. ولكنها على الأقل تعالج الموضوع من خلال تداخل معطياته لا من خلال فصلها. بينما النظريات السائدة عن السرطان، غالباً ما تفصل سبب السرطان، أو أي مرض مزمناً كان أم لا، بين المسببات «الخارجية» الاجتماعية والنفسية وبين نشوءه. أليس هذا أحد أسباب عدم قدرة العلماء حتى الآن،  أو من تحت يديه القدرة المخبرية واللوجستية، على إيجاد حلول لأمراض تلاحق البشرية منذ عقود؟
يشدد لوريا الذي كان تلميذ فيغوتسكي، على أن التطور العقلي للإنسان هو نتيجة وضعه الاجتماعي – التاريخي، ويمكن للإدراك أن يتطور مع تغير الوضع الاجتماعي-التاريخي. يعيش العالم اليوم تغيراً في الخارطة السياسية، بدأت تسقط معها الأحادية القطبية التي سيطرت على ميادين الحياة، وأنتجت أفكار وتأثيرات الفصل. والعلم كما كان دائماً هو احدى ساحات الصراع، التي بدأت تظهر وتنتقل من احتكار مركز واحد إلى إمكانية انتشارها وتملُّكها من قبل العديد في عدة دول في العالم. في هذا الوضع الاجتماعي-التاريخي الجديد، الذي سيؤدي إلى تطور في الفكر ودحض أفكار قديمة وبالية، على القوى السياسية في المنطقة التي تحمل افكار وحدة العالم، أن تعلن عن موقعها إلى جانب العلم المنحاز لقضية التقدم الإنساني.

تمت قرائته 320 مرة