_
الماركسية وعلم اللغة

الماركسية وعلم اللغة

قامت في الاتحاد السوفييتي في العام 1950، مناقشة واسعة، افتتحتها «البرافدا» على صفحاتها حول مسائل علم اللغة. وقد نشرت البرافدا في عددها الصادر في 20 حزيران 1950، مقالاً ليوسف ستالين، يعرض فيه بأسلوبه الدقيق الواضح، وجهة النظر الماركسية في علم اللغة. وفي مقاطع منها يقول:

هنالك فرق أساسي بين البناء الفوقي وبين اللغة. فالبناء الفوقي لا يرتبط مباشرةً بالإنتاج، بنشاط الإنسان الإنتاجي. فهو ليس مرتبطاً بالإنتاج إلا بصورة غير مباشرة، عن طريق الاقتصاد، عن طريق البناء التحتي. ولهذا، فالبناء الفوقي لا يعكس التغيرات في مستوى تطور القوى المنتجة فوراً، وبصورة مباشرة، بل يعكسها بعد حدوث تغيرات في البناء التحتي، ويجري ذلك بانعكاس تغيرات الإنتاج في تغيرات البناء التحتي. وهذا يعني أن دائرة عمل البناء الفوقي ضيقة ومحدودة.

أما اللغة، فهي، على العكس من ذلك، مرتبطة مباشرةً، بنشاط الإنسان الإنتاجي، وليس بنشاطه الإنتاجي فحسب بل بكل نشاط آخر للإنسان في جميع ميادين عمله، من الإنتاج حتى البناء التحتي، ومن البناء التحتي حتى البناء الفوقي. ولهذا تعكس اللغة التبدلات في الإنتاج بصورة فورية ومباشرة، دون انتظار تغيرات في البناء التحتي. ولهذا، فدائرة عمل اللغة، التي تشمل جميع ميادين نشاط الإنسان، هي أوسع جداً وأكثر تنوعاً من دائرة عمل البناء الفوقي، بل هي أكثر من ذلك، هي تقريباً: غير محدودة.

وهذا ما يفسر، قبل كل شيء، لماذا تظل اللغة، أو بصورة أدق، لماذا يبقى تركيب قاموسها، في حالة من التبدل الذي لا ينقطع تقريباً. إن النمو الذي لا ينقطع في الصناعة والزراعة والتجارة والنقل، والتكنيك والعلم، يتطلب من اللغة أن تكمل قاموسها بكلمات جديدة، وتعابير جديدة ضرورية للعمل في هذه الميادين. واللغة، التي تعكس هذه الحاجات رأساً، تكمل قاموسها بكلمات جديدة، وتحسن وتتقن نظامها القواعدي.

إذن:

لا يمكن للماركسي أن يعتبر اللغة بناء فوقياً قائماً على بناء تحتي.

إن الخلط بين اللغة والبناء الفوقي، هو اقتراف خطأ جسيم.

سؤال: أصحيح أن اللغة حملت وتحمل دائماً طابعاً طبقياً، وأن ليس هناك لغة عامة مشتركة وواحدة للمجتمع، لغة لا طابع لها، لغة للشعب بأسره؟

جواب: لا، هذا غير صحيح.

ليس من الصعب أن يدرك المرء أن لا مجال للغة طبقية، في مجتمع خال من الطبقات. وقد كان النظام البدائي المشاعي، لا يعرف الطبقات، وبالتالي، لم يكن من الممكن أن تكون فيه لغة طبقية. لقد كانت اللغة فيه مشتركةً وواحدةً لكل الجماعة. أما الاعتراض القائل: بأن الطبقة معناها كل جماعة بشرية، بما فيها الجماعة البدائية المشاعية، فهو ليس اعتراضاً، بل لعباً بالألفاظ لا يستحق الرد والدحض.

أما فيما يتعلق بالتطور اللاحق للغات، من لغات العشائر حتى لغات القبائل، ومن لغات القبائل حتى لغات القوميات، ومن لغات القوميات حتى اللغات الوطنية، ففي كل مكان، وفي جميع مراحل التطور، كانت اللغة، من حيث هي وسيلة لاتصال الناس فيما بينهم في المجتمع، مشتركةً وواحدةً للمجتمع، تخدم أعضاء المجتمع على السواء، بصورة مستقلة عن أوضاعهم الاجتماعية.

لست أقصد هنا إمبراطوريات عهود العبودية والقرون الوسطى، كإمبراطوريتي سيروس وإسكندر الكبير، أو إمبراطوريتي قيصر وشارلمان، مثلاً، التي لم يكن لها أساسها الاقتصادي، والتي كانت تمثل تشكيلات عسكرية ـ إدارية، مؤقتة وغير مستقرة. فلم تكن لهذه الإمبراطوريات، بل لم يكن من الممكن أن يكون لها، لغة واحدة لكل الإمبراطورية، يفهمها جميع أعضاء الإمبراطورية. فقد كانت هذه الإمبراطوريات تمثل خليطاً من القبائل، والشعوب لها حياتها الخاصة، ولها لغاتها الخاصة. ولذلك، لست أاقصد تلك الإمبراطوريات أو مثيلاتها الأخرى، بل أعني القبائل والشعوب التي كانت تدخل في تركيب الإمبراطورية، وكان لها أساسها الاقتصادي، ولغتها المكونة منذ أمد طويل. يقول التاريخ: إن لغات هذه القبائل، وهذه الشعوب لم تكن ذات طابع طبقي، بل كانت لغاتٍ للشعب كله، مشتركة للقبائل والشعوب، ومفهومة منها.

وكانت هنالك، طبعاً، إلى جانب اللهجات، ألسنة محلية، ولكن هذه الألسنة المحلية كانت تابعةً وخاضعة لِلغة الوحيدة المشتركة: لغة القبيلة أو الشعب.

وفيما بعد مع ظهور الرأسمالية، ومع تصفية التجزئة الإقطاعية، ومع تكون سوق وطنية، تحولت الشعوب إلى أمم، وتحولت لغات الشعوب إلى لغات وطنية.

يبين التاريخ أن اللغات الوطنية، ليست لغاتٍ طبقيةً بل لغاتٍ مشتركةً لكل الشعب، مشتركةً لجميع أعضاء الأمة، وواحدةً للأمة.