«مجاز العلم»

في كتابها المعنون «مجاز العلم» من إصدارات الهيئة العامة السورية للكتاب تقدم الكاتبة د. سمر ديوب  قراءة في أدب الخيال العلمي:

 

 

 

يرى خورخي لويس بورخيس: أن تاريخ الأدب هو تاريخ قراءة الأدب، ففي القراءة اهتمام جمالي، ومتعة أدبية؛ لذا كان يفتخر بالصفحات التي قرأها، لا الصفحات التي كتبها. فلا يتحقق وجود الأدب إلا بالقراءة. إنها تُخرج الأدب من مرحلة التكوّن إلى مرحلة التحقق.

ويعدّ فعل القراءة الأدبية فعلاً مسؤولاً، ويمكن أن نقول إن الأدب يتطور في منطقه الداخلي من جهة، ويتفاعل في تطوره مع القراءة من جهة ثانية. فالقارئ صانع للأدب؛ لأن القراءة ليست فعل تلقٍّ فقط.

تحاول هذه الدراسة أن تقرأ أدب الخيال العلمي برؤية مختلفة، منطلقين من جملة فرضيات منها: أن بلاغة العلم تقابل بلاغة الأدب، وأن الخيال هو الذي يصنع العلم، والمجاز طريقة تفكير، فالعالِم والأديب يفكران بالمجاز، لكنَّ الأديب يجدد آفاق البحث العلمي، ويوسّعها. وقد تقاربت المسافة بين العلمي والأدبي في عصرنا الحالي، وتغير مفهوم العلم، وأصبح لزاماً علينا إعادة تأسيس مفهوم الشعرية انطلاقاً من روح العصر، فكان اختيار عنوان «مجاز العلم» توسيعاً لهذا المفهوم، وتأكيداً لإلغاء فكرة الحد العلمي الصارم، والحد الأدبي، ودمجاً للحقول العلمية بالحقول الفنية؛ إزالة للفجوة المعرفية، والجمالية بين العلم والأدب؛ لأن كليهما يمثل تصوراً تخييلياً منزاحاً عن العلاقات المعهودة سابقاً. فالأدب والعلم رياضيات، الأول رياضيات وجدانية، والثاني رياضيات تجريبية، مما يعني أن الميدان الذي يعمل فيه العلماء والأدباء ظاهره العلم، وباطنه الخيال؛ لذا قال الشاعر ويليام وردزورث: إن الشعر هو المنظور النفسي لحقائق العلم، فقد قدّم الواقع العلمي الجديد تصورات متعددة ومختلفة للكون، والزمن، والمكان، والمادة، والطاقة، وطبيعة الإنسان، والفضاء، والكائنات غير المرئية، فتقلصت المسافة بين المجهول السابق، والمجهول الحالي؛ لذا نحن في حاجة إلى تأسيس مجاز علم، ونظرة جديدة إلى الخيال، تستوعب الوعيين الأدبي والعلمي على حد سواء. 

إدخال تاريخ العلم ضمن نظريات العلوم المعاصرة.

يطالب بعض الفلاسفة في عصرنا الحالي بضرورة إدخال تاريخ العلم، ووجدانات العلماء ضمن نظريات العلوم المعاصرة.

  وقد اعترضتنا مشكلة في سياق البحث في أدب الخيال العلمي، فالذائقة العربية لم تهتم بأدب الخيال العلمي، ولم ينل حقه من أقلام النقاد، فكثير منهم يعرض عنه، ويوجّه إليه سهام النقد؛ لأنهم يعاملون رواية الخيال العلمي بأدوات نقد الرواية الأدبية العادية. كما أن الوعي بضرورة تأسيس وعي علمي، وتكنولوجي، وفلسفي في بنية الثقافة العربية لا يزال محدوداً.

أدب الخيال العلمي

إننا في حاجة إلى مناهج تجمع بين معطيات المنهج العلمي والتكنولوجي والفلسفي من جهة، وتداخل العلوم والآداب من جهة أخرى، فلا نزال إلى الآن نفتقد تأصيلاً نقدياً عربياً لمصطلح الخيال العلمي، وأدبه.

  ولم تتوقف الدراسات السابقة التي تناولت أدب الخيال العلمي -في حدود ما توصلنا إليه- عند البحث في شعرية هذا الأدب، وثقافة الصورة، وتداخل العلم والأدب بطريقتين: نظرية، وتطبيقية. فيتجاوز مجاز العلم رواية الخيال العلمي؛ ليصل إلى الشعر والقصة والمسرح، لكننا آثرنا تضييق ميدان العمل إلى أدب الخيال العلمي: رواية، وقصة.

وأدب الخيال العلمي أدب حديث النشأة، يحتاج إلى قراءة فاعلة تكشف جوانب الإبداع، والجمال فيه بغض النظر عن إعراض كثير من النقاد عنه بحجة الضعف الذي يعتور بنيته، وسطحية لغته، وشخصياته. فقراءتنا أدب َالخيال العلمي من منظور مجاز العلم تؤكد خصوصية خطاب هذا الأدب، وتعاليه. وقراءتنا لغوية، لا تبتعد عن الصياغة اللغوية بقدر ما تعود إليها كاشفة عن ظواهرها الإبداعية، محاولين الابتعاد قدر الإمكان عن الأحكام الانطباعية، والتقييم الذي يمكن أن يدخل في قراءات أخرى تعتمد القيمة وسيلة في تقديم الخطاب إلى المتلقي.

واختيار مجاز العلم لمقاربة أدب الخيال العلمي ينجم عن فرضية حاول البحث إثباتها، تقوم على أن تمازج الخطاب العلمي بالخطاب الأدبي في أدب الخيال العلمي أدّى إلى تكامل المتضادين، فاتسمت الرواية العلمية بالمجاز، فالعلم قائم في أساسه على المجاز.

تشابك مصطلحات

وقد وجدنا أننا أمام تشابك مصطلحات مثل: مصطلح الخطاب، والعلم، والمجاز، والشعرية. وهذه المصطلحات -على الرغم من اختلافها- تفرض توفيقاً بينها. فمصطلح الخطاب يفترض وجود مبدع، ومتلقّ، وحضور المبدع في أدب الخيال العلمي حضور قوي لدرجة أن الشخصية الأساسية تقول على لسانها ما يريد المبدع أن يقول، وكأنه حوّل نفسه إلى شخصية في روايته. أما المتلقي فوجوده أساسي في قراءة أي عمل أدبي، وبه نقيس رد الفعل.

ووجدنا أن هذا الخطاب قد اتسم بالشعرية، وتعني دراسة الشعرية تتبع الأمور التي تؤدي إلى ولادة عمل أدبي، وهي أمور تنجم عن داخل العمل الأدبي، تتحرك في الخطاب بطريقة واعية، فتكون اللغة في هذه الحال وسيلة، وغاية.

القراءة التأويلية

وقد عمدنا إلى القراءة التأويلية إيماناً منا أن المناهج كلها تفضي إلى التأويل في النهاية، وبخاصة أن أدب الخيال العلمي مثقل بالعجائبيات التي تحتاج إلى تأويل، وبالبعد السياسي، والإسقاطات، وهو أمر يسمح للدوال بالتخلص من دلالاتها المعجمية، والأخذ بدلالات جديدة تناسب تجربة الكتابة الخاصة في هذا الأدب.

وتترافق هذه العملية بقصد من قبل المبدع، منشئ الخطاب، الأمر الذي يحوّل المتلقي إلى متذوق للأدب، وناقد له، فيخلق حواراً بين النص ومجموعة التقاليد النقدية الموروثة، ويستمتع باكتشاف الفريد، والجديد في هذا الأدب.

إن اتسام أدب الخيال العلمي ببعض سمات الشعرية يؤكد التحام العلم بالمجاز، وخصب هذا الأدب، وامتلاءه بالمظاهر التي تضفي عليه خصوصية يحقق بها استقلالاً مضمونياً وشكلياً عن غيره، ونحن بحاجة إلى أدوات نقدية جديدة نتعامل بها معه بعيداً عن قدح الرافضين، وإنشاء المعجبين. ولا يتم ذلك إلا بالانفتاح على التيارات النقدية الوافدة مع عقد مصالحة بينها وبين موروثنا النقدي؛ لكي يتم التوافق مع خصوصية الخطاب في أدب الخيال العلمي.

 

تمت قرائته 567 مرة